والمقصود من هذا المثل : بيان أن الكافر تراكمت عليه أنواع الضلالات في الدنيا ، فصار قلبه وبصره وسمعه في ظلمة شديدة كثيفة ، لم يعد بعدها قادرا على تمييز طريق الصواب ومعرفة نور الحق. وتراكم هذه الظلمات بعضها فوق بعض في غاية الظلمة ، وهو يقتضي مبالغة الظلمة ، حتى إن الإنسان إذا مدّ يده ، وهي أقرب شيء إليه ، لم يكد يراها ، فضلا عن أن يراها ، ومعنى (لَمْ يَكَدْ يَراها) : لم يقارب الوقوع ، والذي لم يقارب الوقوع ، لم يقع ، وهذا يقتضي نفي الرؤية جملة.
ومن لم يهده الله لنوره ، ولم يوفقه لهدايته ، فهو هالك جاهل خاسر ، في ظلمة الباطل لا نور له ، ولا هادي له. والمراد أن من لم يهده الله في الدنيا لم يهتد ، ويلزم منه أنه في الآخرة لا يجد رحمة من الله ولا عفوا ، وهذا لا يقتضي الجبر والإكراه ، لأن الإنسان في مثل هذا مخيّر ، وإنما الضلال وما ينتج عنه من خسران بسبب اختيار وإرادة من الإنسان ذاته.
البراهين الكونية على وجود الله تعالى
أورد القرآن الكريم عدة أدلة على وجود الله ، منها الخلق والإيجاد والإعدام للإنسان والحيوان ، ومنها أفعال الموجودات في السماء والأرض ، ومنها إنزال المطر ، وتقليب الليل والنهار ، وذلك كله لإقناع الإنسان وهدايته ، وتوصله إلى الإقرار بوجود الله وتوحيده ، ومعرفة عظمته وقدرته. ولو لا فضل الله ورحمته بالناس جميعا ، لما نبّه القرآن كلام الله على هذه الأدلة ، واقتصر على تشريع الحلال والحرام ، إلا أن القرآن العظيم شمل كل شيء من شؤون العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة ، وأرشد إلى أصول تنظيم المعاملات والعلاقات الاجتماعية ، وحالة الوصية والميراث بعد الوفاة ، قال الله تعالى مبينا أدلة أربعة على وجوده ، منها ثلاثة في هذه الآيات :
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
