والثاني : يقتضي حالها في الدنيا من أنها في غاية الضلال والغمّة التي مثالها تناهي الظلمة في قوله سبحانه : (أَوْ كَظُلُماتٍ).
أما حال أعمال الكفار في الآخرة وهو المثل الأول ، فإن أعمالهم الصالحة شبيهة بسراب يراه الإنسان العطشان من بعيد في فلاة من الأرض ، فيحسبه ماء ، فيأتيه ، فلا يجد ما رجاه. والقيعة : هي المنبسط من الأرض ، أو جمع قاع ، وهكذا حال الكافرين يحسبون أعمالهم نافعة لهم في الآخرة ، منجّية من عذاب الله ، فإذا جاء يوم القيامة ، وقوبلوا بالعذاب ، فوجئوا بأن أعمالهم الصالحة مثل صلة الرحم والإحسان إلى الفقراء ونحو ذلك لم تنفعهم ، وإنما يجدون زبانية جهنم تأخذهم وتسوقهم إليها سوقا عنيفا ، فهم يجدون عذاب الله الذي توعد به الكافرين ينتظرهم ، والله سريع الجزاء على العمل السيئ في الدنيا ، وهو الكفر بالله ، وعصيان أوامر الله ، والانغماس في المنكرات.
وقوله تعالى : (حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) يراد به : شيئا نافعا في العطش ، أو شيئا موجودا ، على العموم ، أي فكذلك الكافر يوم القيامة يظن عمله نافعا ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، وقوله سبحانه : (وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ) مجاز ، وعنده عائد على العمل. وفي ذلك توعد وبيان لسرعة الحساب. والمراد : أن الكفار سوف يصطدمون بالخيبة والخسارة في الآخرة ، فلا يجدون ما ينفعهم ولا ما ينجيهم.
وأما المثل الثاني : وهو حال الكفار وأعمالهم في الدنيا : فهو أن مثل أو صفة أعمالهم التي يعملونها في الدنيا ، مثل ظلمات ثلاث متراكمة ، في بحر عميق بعضها فوق بعض ، وهي ظلمة البحر ، وظلمة الموج ، وظلمة السحاب ، أي إنهم من الضلال في العقيدة ونحوه في مثل هذه الظلمة المجتمعة من هذه الأشياء ، وهم في الواقع في ظلمات ثلاث : ظلمة الاعتقاد الباطل ، وظلمة القول الساقط ، وظلمة العمل الفاسد.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
