وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤)) (١) (٢) [المؤمنون : ٢٣ / ٩٩ ـ ١٠٤].
«حتى» ابتداء كلام وإخبار عن حال جديدة : هي حال المحتضر عند الموت من عصاة المؤمنين والكافرين الجاحدين. والمعنى : إذا دنا أجل الإنسان الكافر أو العاصي المفرط في حقوق الله تعالى ، ورأى ما ينتظره من العذاب ، طلب الرجوع إلى الدنيا ، ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته ، ويتدارك ما فاته من خير ، وما قصّر فيه من الأعمال الصالحة.
فيأتيه الردع والزجر من الله بكلمة «كلا» أي لا إجابة لطلبه ، وتلك كلمة لا بد من أن يقولها كل محتضر ، تعبيرا عن الندم ، لأنه لا فائدة من الرجعة ، فلو ردّ لعاد لما كان عليه ، وكذب في هذه المقالة ، كما جاء في آية أخرى : (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) [الأنعام : ٦ / ٢٨] ويكون أمام هؤلاء الظلمة برزخ ، أي حاجز مانع ما بين الدنيا والآخرة ، يمنع من العودة إلى عالم الدنيا. وهذا تهديد ووعيد بعذاب البرزخ ، والمراد من البرزخ ، هنا بإجماع المفسرين : المدة التي بين موت الإنسان وبين بعثه ، وجملة (إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها) إشارة إلى أن المحتضر لو ردّ لعاد ، فتكون الآية آية ذمّ لهم.
وإذا نفخ في الصور (القرن الهائل) النفخة الثانية ، وهي نفخة النشور ، وقام الناس من القبور ، فلا تنفعهم الأنساب والأحساب والقرابات ، على الرغم من وجود التعاطف والتراحم والنسب ، لاستيلاء الدهشة والحيرة عليهم ، ولا يتمكن القريب أو الصديق من سؤال قريبه أو صديقه ، وهو يبصره. لأن هول المطلع يشغل كل امرئ بنفسه ، فلا أنساب نافعة ، وإنما النافع : هو العمل الصالح.
__________________
(١) تحرق.
(٢) كالحون : عابسون متقلّصو الشفاه عن الأسنان.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
