بحسب مراد الله ، لا بحسب مراد البشر ، والضمير في (أَنْزَلْناهُ) عائد على القرآن ، وجاءت هذه الضمائر هكذا ، وإن لم يتقدم لها ذكر ، لشهرة المشار إليه ، نحو قوله تعالى : (حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) [ص : ٣٨ / ٣٢]. والأمر أن الله يهدي من يريد ، أو لأن الله يهدي بالقرآن ويوفق الذين يعلم أنهم يؤمنون ، ومستعدون للإيمان بما أنزل ، ويريد الله هدايتهم. وهداية الله تبارك وتعالى : هي خلقه الرّشاد والإيمان في نفس الإنسان.
حسمت هاتان الآيتان من أمرين أحدهما شخصي متعلق بالنبي صلىاللهعليهوسلم ، والآخر عام متعلق بطبيعة بيان القرآن ، وهداية الله البشر. إن أمر انتصار النبي صلىاللهعليهوسلم على مخالفيه حقيقة ثابتة في مضمار العقيدة ، ومصداقية التاريخ ، وقد تم ذلك بنحو واضح ، إلا أن مصائر الأمور تتعلق بالحكمة الإلهية والعلم الرباني ، فقد يتأخر النصر ، لترك الفرصة أمام الجناة ، لتصحو ضمائرهم ، وتتفتح عقولهم ، وتتدبر أمر الوحي الإلهي.
وإن بيان القرآن الكريم القطعي الذي لا غبار عليه ولا شك في دلالاته وأخباره ، ومهامه وغاياته ، هو الذي خلّده وأبقاه أبد الدهر ، وسيظل منارة الهدي الإلهي ، ومفتاح صفحة الكون الذي تستضيء بهديه نفوس الحائرين ، ولن تجد أقوم ولا أعدل ، ولا أحكم ولا أصلح ، ولا أفضل منه ، وإن هداية الله وتوفيقه بالقرآن وغيره مستمرة ، ومرتبطة بإرادة الله ، وإرادة الله الهداية تقع في محلها حسبما يعلم الحق من كان أهلا للهداية وجديرا بها.
العدل الإلهي بين الفرق
انقسمت الشعوب والأمم إزاء الهدي الرباني إلى فرق وأحزاب ، وفئات وجماعات ، بحسب أهوائهم ونزعاتهم واستعداداتهم ، فمنهم أهل الإيمان بالنبي محمد صلىاللهعليهوسلم وغيره من الأنبياء ، ومنهم من لم يؤمن بالأنبياء جميعا ، ومنهم من آمن ببعض
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
