بإنذاركم به ، وعملي : هو مجرد التبليغ لا الإلزام بالقبول ، ولم أبعث بآية مطّردة ولا بما تقترحونه ، فإن لم تجيبوا دعوتي ، فعليكم الوبال والنكال ، لا علي.
ولا يجدي هذا الوحي من أعمى الله بصيرته ، وختم على سمعه وقلبه ، وما مثل المعرضين عن آيات الله إلا مثل الصّمّ الذين لا يسمعون شيئا أصلا ، فليس الغرض من الإنذار مجرد السماع ، بل الإصغاء لما يسمع ، والتمسك به ، بالإقدام على فعل الواجب ، والتحرز عن المحرّم ، ومعرفة الحق ، فإذا لم يتحقق هذا الغرض ، فلا فائدة في السماع.
ولئن مسّ أو أصاب هؤلاء المكذبين شيء من عذاب الله يوم القيامة ، ليبادرن إلى الاعتراف بذنوبهم ، ويقولون : يا هلاكنا ، إنا ظلمنا أنفسنا في الدنيا ، بتقصيرنا في الطاعة ، وإعراضنا عن الإيمان الحق بالله تعالى ، وبعبارة أخرى : ولئن مسّ هؤلاء الكفرة صدمة عذاب في دنياهم ، ليندمنّ وليقرّنّ بظلمهم. وفي هذا إشارة إلى شدة عذاب الله : (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)) [البروج : ٨٥ / ١٢].
وبعد أن توعدهم الله بنفحة من عذاب الدنيا ، عقّب ذلك بتوعّد بوضع الموازين الدقيقة للحساب في الآخرة ، والمعنى : ونضع الموازين العادلة التي توزن بها صحائف الأعمال في يوم القيامة ، أو لحساب يوم القيامة ، أو لحكم يوم القيامة ، فقوله تعالى : (لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) بتقدير حذف مضاف ، فلا يلحق نفسا أي ظلم ، فهم إن ظلموا أنفسهم في الدنيا ، فلن يظلموا في الآخرة ، حتى وإن كان العمل أو الظلم زنة حبة الخردل ، فنجازي عليه الجزاء الأوفى ، حسنا أو سيئا ، وكفى بنا محصين لأعمال العباد ، فلا أحد أعلم بأعمالهم منا ، ولا أحد أضبط ولا أعدل في تقويم الأعمال منا. وفي هذا تحذير شديد ، ووعيد أكيد للكفار والعصاة على تفريطهم أو تقصيرهم فيما يجب عليهم نحو الله تعالى ؛ لأن الإله العالم الذي لا يشتبه عليه شيء ، القادر الذي لا يعجزه شيء ، جدير بأن يكون الناس في أشد الخوف منه.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
