قالت فرقة من المفسرين : هذه الآية بجملتها هي من كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له ، والبيان فيما فعلوه. وهذا هو المتبادر للذهن. وقالت فرقة أخرى : بل هي من كلام الله تبارك وتعالى لمحمد صلىاللهعليهوسلم ، تنبيها على قبح ما فعل فرعون ، وحسن ما فعل السحرة ، وموعظة وتحذيرا. وقد تضمنت القصة حالة المجرم الذي اكتسب الجرائم والخطايا.
والمعنى : إن من يلقى الله يوم القيامة ، وهو مجرم في حق نفسه وربّه ، فعذابه في جهنم ، لا يموت فيها ميتة مريحة ، ولا يحيا حياة كريمة ، فهو يألم كما يألم الحي. وهذا القول : (لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) مختص بالكافر ، فإنه معذب عذابا ينتهي به إلى الموت ، ثم لا يجهز عليه فيستريح ، بل يعاد جلده ، ويجدّد عذابه ، فهو لا يحيا حياة هنيّة ، وأما من يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي ، فهم قبل أن تخرجهم الشفاعة ، في غمرة ، قد قاربوا الموت ، إلا أنهم لا يجهز عليهم ، ولا يجدّد عذابهم. فهذا هو الفرق ما بينهم وبين الكفار. وفي الحديث الصحيح : أنهم أي عصاة المؤمنين يموتون إماتة.
والواقع أنهم يقتربون من الموت ، فهذا معنى الإماتة ، لأنه لا موت في الآخرة.
هذا هو مصير الكفرة أهل النار. وأما أهل الإيمان والصلاح ، فإنهم يلقون ربهم يوم المعاد ، قد آمنت قلوبهم ، وصفت نفوسهم ، وتطابق قولهم وعملهم مع قرارة ضمائرهم ، وأدوا الطاعات ، وخافوا ربهم ، فأولئك لهم بإيمانهم وعملهم الصالح الجنة ذات الدرجات والمنازل العالية الرفيعة ، والغرف الآمنة ، والمساكن الطيبة.
لهم الدرجات العلى وهي القرب من الله تعالى. ومن المعلوم أن الجنة درجات ، والنار دركات ، روى الإمام أحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «الجنة مائة درجة ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، والفردوس أعلاها درجة ، ومنها تخرج الأنهار الأربعة ، والعرش فوقها ، فإذا سألتم الله تعالى ، فاسألوه الفردوس».
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
