بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)) (١) (٢) [مريم : ١٩ / ٢٣ ـ ٢٦].
بعد اكتمال مدة الحمل بعيسى في بطن أمه ، اضطرها المخاض وألجأها وجع الولادة وألم الطلق إلى الاستناد إلى جذع نخلة ، لتسهيل الولادة ، فتمنت الموت قبل ذلك الحال ، أو تكون شيئا متروكا محتقرا ، أي جعلها في عداد المنسيين حيث لم تخلق ولم تك شيئا ، استحياء من الناس ، وخوفا من ظن السوء بها ، دينا وخلقا وسمعة وسلوكا ، وقد تظاهرت الروايات أنها ولدته لثمانية أشهر استثناء وخصوصية لعيسى عليهالسلام خلافا للمعتاد أنه لا يعيش ابن ثمانية أشهر.
قال ابن كثير : فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة ، فإنها ـ أي مريم ـ عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد ، ولا يصدّقونها في خبرها ، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة ، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية.
في هذه الأزمة والتعرض لآلام المخاض واستناد مريم لجذع نخلة بال يابس ناداها من تحتها عيسى المولود ـ في رأي مجاهد والحسن وابن جبير وأبّي بن كعب ـ أو ناداها جبريل عليهالسلام ، في قول ابن عباس ، من تحت الأكمة أو النخلة ، قائلا لها : لا تحزني ، فقد جعل ربك تحتك جدولا أو نهرا صغيرا ، أجراه الله لتشربي منه.
والأصح أن عيسى هو المنادي ، ليكون ذلك آية لأمه ، وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم ، فإنه يتبين به عذر مريم ، ولا تبقى به استرابة ، فلذلك كان النداء ألا يقع حزن.
__________________
(١) صالحا للاجتناء.
(٢) طيبي نفسا.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
