التقي ذو نهية (١). سلكت معه مسلكا لينا يعتمد على العقل والتقوى والحكمة ، فخوّفته أولا بالله عزوجل ، والاستعاذة والتخويف لا يؤثران إلا في التقي. وهذا دليل على عفافها وورعها ، حيث تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفاتنة.
فأجابها جبريل بالأسلوب الهادىء نفسه ، مهدئا روعها ، ومزيلا مخاوفها : لست أريد بك سوءا ، ولكني رسول من عند الله الذي استعذت أو استجرت به ، بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا ، أي طاهرا من الذنوب ، ينمو على النزاهة والعفة. وقد نسب الهبة لنفسه : (لِأَهَبَ) لإجراء الأمر على يده ، وبواسطته بأمر الله تعالى. وكأن نفخ الروح الذي فعله مجرد تعاط للأسباب ، والحقيقة : أي ليهب لك الله.
فتعجبت مريم مما سمعت ، وقالت لجبريل : كيف يكون لي غلام ، وعلى أي صفة ، يوجد هذا الغلام مني ، ولست متزوجة ولم يقربني زوج ، ولا يتصور مني الفجور ، ولم أك يوما بغيا ، أي زانية ، أو مجاهرة مشتهرة بالزنى ، وأنا العذراء البتول ، والقائمة بعبادة الله قياما مستقلا متفرغا.
فأجابها جبريل الأمين : إن الله قال : سيوجد منك غلاما ، وإن لم يكن لك زوج ، ولا من طريق الفاحشة ، وليجعله الله آية أو علامة للناس على قدرته ، حيث خلق آدم من غير ذكر وأنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى فقط ، وخلق أغلب الناس من الزوجين : الذكر والأنثى. وليكون هذا الغلام رحمة من الله يبعثه لعباده ، وطريق هدى لعالم كثير ، فينالون الرحمة بذلك ، يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، وكان هذا الأمر قد أبرم به القضاء الإلهي ، وقدّره الله في سابق علمه ، لا يتغير ولا يتبدل ، أي إن الأمر قد قضي وانتجز ، ولا مرد منه.
روي أن جبريل عليهالسلام ـ حين قال لها هذه المقالة ـ نفخ في جيب درعها
__________________
(١) النهية : واحدة النّهى وهي العقول ؛ لأنها تنهى عن القبيح.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
