حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢)) (١) (٢) (٣) (٤) (٥) [مريم : ١٩ / ١٦ ـ ٢٢].
كل قصة في القرآن الكريم محل تأمل وإعجاب ، وموضع تجليات لأيادي الرحمن ، فيزداد أهل الإيمان إيمانا ، بما أخبر الله ، ويزداد أهل الشقاوة شقاء ، بسبب انعدام التصديق والإيمان بكلام الله وخبره.
وهذه قصة عجيبة ، افتتحت بمطالبة نبينا محمد صلىاللهعليهوسلم بأن يذكر للناس قصة مريم العذراء البتول عليهاالسلام ، الطاهرة المطهرة من الدنس والرجس والفسق ، حين اعتزلت الناس وأهلها ، وابتعدت عنهم إلى مكان شرقي بيت المقدس ، لتتفرغ للعبادة والابتهالات الربانية ، والتضرع بإخلاص وخشوع وفراغ قلب لله عزوجل. ومن أجل اتجاه مريم لمكان شرقي اتخذ المسيحيون قبلتهم نحو الشرق.
فاستترت من الناس ، واتخذت حاجزا بينها وبينهم ، لئلا يروها حال العبادة ، فأرسل الله إليها روح القدس جبريل عليهالسلام ، أمين الوحي ، متمثلا بصورة إنسان تام الخلقة ، لتأنس بكلامه ، ولئلا تنفر من محاورته في صورته الملكية ، فظنت أنه يريدها بسوء ، كما رئي جبريل في صفة دحية الكلبي في حوار النبي صلىاللهعليهوسلم ، وفي سؤاله عن الإيمان والإسلام.
قالت مريم للملك الذي تمثل لها بشرا ، لما رأته قد خرق الحجاب الذي اتخذته ، فأساءت به الظن : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ذا تقى. قال أبو وائل : علمت أن
__________________
(١) سترا.
(٢) جبريل عليهالسلام.
(٣) إنسانا تام الخلق.
(٤) فاجرة.
(٥) بعيدا من أهلها.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
