منك بسبب إدبار قريش وتباعدهم عن الإيمان بالله والقرآن ، وإعراضهم عن الشرع ، فكأنهم من فرض إدبارهم قد بعدوا ، فهو عليه الصلاة والسلام في آثار توليهم وإعراضهم عن دعوته في ألم شديد وأسىّ وحزن عميق. والأسف في هذا الموضع : الحزن ، وذلك كما ورد في آيات كثيرة مشابهة ، مثل : (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) [النحل : ١٦ / ١٢٧]. ومثل : (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)) [الشعراء : ٢٦ / ٣]. ومن ذلك : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ). [فاطر : ٣٥ / ٨].
ثم أخبر الله تعالى عن حقيقة الدنيا ، وأنها دار فناء وزوال واختبار ، لا دار بقاء وقرار ، فقال سبحانه : (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها ..) الآية ، وهي توغل وبسط في الإيناس والتسرية ، أي لا تهتم للدنيا وأهلها ، فأمرها وأمر قومك وأمثالهم أقل ، لفنائه وذهابه ، فإنا إنما جعلنا ما على الأرض زينة ومفاتن زائلة ، كما أن أهلها زائلون ، لنعاملهم معاملة المختبرين الممتحنين ، ليعرف المحسن عمله من الفاسد ، فنجازي المحسن بالثواب ، والمسيء بالعقاب ، ومحسن العمل : الزاهد في الدنيا ، وتارك الاغترار بها ، وجاعلها وسيلة وجسرا للآخرة ، وذلك كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيها ، فينظر كيف تعملون».
وأراد بقوله : (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها) أن كل ما على الأرض زينة ، وليس شيء إلا وفيه زينة ، من جهة خلقه وصنعته وإحكامه. ومعنى : (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) أي لنختبرهم ، وفي هذا وعيد ما.
قال سفيان الثوري : أحسنهم عملا : أزهدهم فيها. والواقع أن حسن العمل : يشمل الأخذ بحق ، والإنفاق في حق مع الإيمان ، وأداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، والإكثار من المندوب إليه.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
