يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥)) (١) [الإسراء : ١٧ / ٨٢ ـ ٨٥].
هذه الآية بيان خاصية القرآن ، فالله يقول عن نفسه : وننزل عليك أيها النبي قرآنا فيه شفاء ، فكل شيء نزل من القرآن ، فهو شفاء للمؤمنين يزدادون به إيمانا ؛ لأنه يزيل الريب ، ويكشف غطاء القلب لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى ، المقرّرة لشرعه ، بل فيه الشفاء من الأمراض ، والرّقى والتعويذ من الشيطان (٢) ، وهو أيضا رحمة لمن آمن به وصدّقه واتّبعه ، لأنه يرشد إلى الإيمان والحكمة والخير ، فيؤدي إلى دخول الجنة والنجاة من النار ، ولا يزيد سماع القرآن الكافر الظالم نفسه إلا بعدا عن الإيمان وكفرا بالله ، لتأصل الكفر في نفسه.
غير أن الإنسان ناقص إلا من عصمه الله ، فتراه إذا أمده الله بنعمة من مال وعافية ، ورزق ، ونصر ، وحقق مراده ، أعرض عن طاعة الله وعبادته ، ونأى بجانبه ، أي لوى جانبه ، وولى ظهره ، قاصدا الاستكبار والتباعد ؛ لأن ذلك عادة المتكبرين ، وهو عبارة عن التحير والاستبداد.
وإذا أصابه الشر وهو المصائب والحوادث ، كان يئوسا قنوطا من رحمة الله ومن الخير بعدئذ. وقل أيها النبي : كل أحد يعمل على طبيعته وطريقته ، وناحيته وعلى ما ينوي من الهدى والضلال ، والله وحده أعلم بمن هو أرشد سبيلا وأقوم طريقا واتباعا للحق ، وسيجزي الله كل عامل بعمله ، وفي الآية تهديد ووعيد بيّن للمشركين.
أما الحديث عن الروح : فهو قديم ومتجدد في كل عصر ، ويسألك يا محمد المشركون عن حقيقة الروح التي تحيي الأبدان ، فقل : الروح من شأن ربي ، يحدث
__________________
(١) مذهبه الذي يشاكل حاله.
(٢) الرقى جمع رقية : وهي التعويذة التي يرقى بها المريض. والتعويذ : الاعتصام من الشيطان ، والمؤمن لا يتعوذ إلا بالله تعالى.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
