بلهف دون تعفف ، وهم يعلمون أن وعد الله بالمغفرة مختص بالتائبين المقلعين عن الذنوب والمعاصي.
رد الله تعالى مزاعمهم هذه وأنكر عليهم صنيعهم ، فإنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق ألا يقولوا على الله إلا الحق وهو أن مغفرة الذنوب في التوراة مشروطة بالتوبة النصوح ، ومن بنود الميثاق : تبيان الحق للناس وعدم كتمانه ، والبعد عن تحريف الكلم وتغيير الشرائع لأجل الرشوة. وهم قد درسوا كتاب التوراة ، وفهموا ما فيه ، من تحريم أكل مال الآخرين بالباطل والكذب على الله.
ثم رغّبهم الله في جزيل ثوابه ، وحذرهم من وبيل عقابه ، وأمرهم بالاستعداد للآخرة ، فإن الدار الآخرة وما فيها من نعيم خالد خير للذين يتقون المعاصي والمحارم ، ويتركون الأهواء ، ويقبلون على الطاعات ، أفلا تعقلون هذه الترغيبات ، وتدركون فحوى الإنذارات. وفي الجملة : إن الدار الآخرة خير من عرض الدنيا الفاني. ثم أثنى الله تعالى على من تمسك بكتابه الذي يوجهه للإيمان بجميع الأنبياء ومنهم خاتم الأنبياء والرسل محمد صلوات الله وسلامه عليهم ، فالذين يتمسكون بأوامر الكتاب الإلهي ويعتصمون به ، وأقاموا الصلاة ـ وخصها بالذكر لأهميتها ـ إنا لا نضيع أجر المصلحين أعمالهم.
ثم ذكّر الله تعالى بحادثة رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل ، حتى صار كأنه سقيفة قائمة في الهواء ، لما أبوا قبول التوراة ، وأيقنوا أنه ساقط عليهم ، وفي ذلك الجو الرهيب قال الله لهم : خذوا ما أعطيناكم من أحكام الشريعة بجد واجتهاد ، وحزم وعزم على احتمال المشاق والتكاليف ، وتذكروا ما في التوراة من الأوامر والنواهي ، ولا تنسوها ، لعلكم تتقون ربكم ، ورجاء أن تتحقق التقوى في قلوبكم ، فتصبح أعمالكم متفقة مع دين الله وشرعه.
هذه التهديدات والإنذارات ينتفع بها كل قوم أرادوا الخير لأنفسهم ولأمتهم.
![التفسير الوسيط [ ج ١ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4060_altafsir-alwasit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
