العذاب المعنوي والمادي قبل مجيء الإسلام. والمعنى : اذكر يا محمد ما قضى الله على الإسرائيليين بسبب مخالفاتهم من تسليط قوم عليهم يذيقونهم سوء العذاب الشديد وهو الإذلال وفرض الإتاوة إلى يوم القيامة ، إن ربك لسريع العقاب لمن عصاه وخالف شرعه ، وإنه لغفور لمن تاب إليه وأناب ، ورحيم بأهل الطاعة والإنابة. وهذا تنبيه على سرعة عقاب الله ، والتخويف بذلك تخويفا عاما لجميع الناس. هذا هو العقاب الأول ، وقد تحقق في الماضي وعلى مراحل التاريخ ، ويكفيهم الآن خضوعهم لإمريكا في الواقع ، وإن أظهروا أحيانا الاعتماد على الذات.
والعقاب الثاني : هو تفريقهم وتمزيقهم جماعات وطوائف وفرقا في أنحاء الأرض ، وتبعتهم لدول مختلفة ، ومنهم الصالحون المحسنون الذين يؤمنون برسالات الأنبياء بعد موسى عليهالسلام ، ومنهم من هو دون غيره في الصلاح ، ومنهم الفسقة الفجرة الكفرة الذين قتلوا الأنبياء بغير حق ، ومنهم السماعون للكذب وأكلة الربا وأموال الناس بالباطل ، والله يختبرهم جميعا بالحسنات أي بالنعم كالصحة والرخاء ، أو بالسيئات ، أي بالنقم كالمرض والفقر وغيرهما من المحن والمصائب. لعلهم يرجعون إلى الطاعة أو الاستقامة ، ويتوبون من المعصية ومخالفة أوامر الله.
ثم ظهرت بعد الصالحين والطالحين أجيال وأخلاف ورثوا التوراة عن أسلافهم ، وتلقفوا ما فيها من الأحكام والشرائع ، لكنهم تاجروا بها ، فأخذوا الرشاوى والمكاسب الخبيثة ، وهذا معنى قوله تعالى : (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى) أي يأخذون عروض عيش الدنيا الدنية ، ولكنهم قوم مغترون بأنفسهم ، يقولون أو يزعمون أن الله سيغفر لهم ذنوبهم ، ولا يؤاخذهم على أفعالهم السيئة ، قائلين : إننا أبناء الله وأحباؤه وسلائل الأنبياء ، وهم مقيمون على المعاصي ، غير متورعين عن الحرام ، وإن يأتهم عرض آخر من عروض الدنيا مثل الذي أخذوه أولا بالباطل ، يأخذوه
![التفسير الوسيط [ ج ١ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4060_altafsir-alwasit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
