وإنّما قال الله تعالى : (أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ) لأنّ أحدا لا يعلم أنه صابر إلى أن يبلغ في الطاعة كلّ مبلغ ؛ إلا بخبر الله تعالى أو بخبر محمّد صلىاللهعليهوسلم ؛ لأنه لا يدري لعله قصّر في شيء من الواجبات ، وما يدري ما الذي يكون منه وما بينه وبين موته ، ولا يعلم أحد من المسلمين بما يختم له ، ختم الله لنا بالسّعادة والشّهادة.
قوله عزوجل : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) ؛ قال ابن عباس : (كان المسلمون يشربون الخمر في بدوّ الإسلام ، وهي لهم حلال ، وكان منادي رسول الله صلىاللهعليهوسلم ينادي في اليوم واللّيلة وقت الصّلاة : ألا من كان سكرانا فلا يحضر مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم في الجماعة ؛ تعظيما للجماعة وتوقيرا لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وأنّ عمر جاء إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقال : بيّن لنا أمر الخمر ، فإنّها مهلكة للمال مذهبة للعقل ، فنزلت هذه الآية ((يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ)(١).
وأما الميسر فقد كان جماعة من العرب يجتمعون فيشترون جزورا ، ثم يجعلون لكلّ واحد منهم سهما ، ثم يقترعون عليها ، فمن خرج سهمه برئ من ثمنها وأخذ نصيبه من الجزور وبقي آخرهم عليه ثمن الجزور كلّه ولا يذوق من لحمها شيئا ، فتقتسم أصحابه نصيبه ، وربما كانوا يتصدقون بذلك على الفقراء ، فسئل رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن ذلك ، فأنزل الله هذه الآية.
والميسر : هو القمار ، ويقال للقمار : ميسر ، والمقامر الياسر ، وقال مقاتل : (سمّي ميسرا لأنّهم كانوا يقولون : يسّروا لنا ثمن الجزور) (٢) ؛ وذلك أنّ أهل الثروة من العرب كانوا يشرون جزورا فينحرونها ، ويجزّئونها أجزاء ، قال ابن عمر : (عشرة أجزاء) وقال الأصمعيّ : (ثمانية وعشرين جزءا) ثم يسهمون عليها بعشرة أقداح ويقال لها الأزلام والأقلام ، سبعة منها لها أنصب ؛ وهي القذولة نصيب واحد ، والتوأم
__________________
(١) في الدر المنثور : ج ١ ص ٦٠٥ ؛ ذكر السيوطي الحديث عن عمر رضي الله عنه ، وقال : «أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه ، والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر عن عمر : ... وذكره».
(٢) قاله مقاتل في التفسير : ج ١ ص ١١٦.
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
