وقال الضحّاك : (معنى الآية : ثمّ أفيضوا من المزدلفة الّتي تفيض منها قريش). وإنّما ذهب الضحاك إلى أن المراد بالإفاضة في هذه الآية الإفاضة من المزدلفة ؛ لأنّ الله تعالى عطف هذه الآية على الإفاضة من عرفات ؛ فعلم أن المراد بهذه الإفاضة الإفاضة من المزدلفة ؛ إلّا أن عامّة المفسرين على الوجه الأول.
والمراد بقوله : (مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) هم العرب كلهم غير الحمس ، وقال الكلبيّ : (هم أهل اليمن). وقال الضحّاك : (النّاس هنا إبراهيم عليهالسلام وحده ؛ لأنّه كان الإمام المقتدى به ، فسمّاه الله ناسا كما قال الله تعالى في آية أخرى : (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً)(١) وقد يسمّى الرّجل الواحد باسم الناس كما قال الله تعالى : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ)(٢) يعني محمّدا صلىاللهعليهوسلم). وكذلك قوله (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ)(٣) يعني نعيم بن مسعود الأشجعي (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) يعني أبا سفيان. وإنّما يقال هذا لمن هو ندب يقتدى به أو يكون لسان قومه وإمامهم.
وقال الزهريّ : (النّاس ها هنا آدم عليهالسلام) ودليله قراءة ابن مسعود : (ثمّ أفيضوا من حيث أفاض النّاس يعني آدم). وقال : (لأنّه نسي ما عهد إليه ؛ قال الله تعالى : (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ)(٤).
وقوله تعالى : (وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي استغفروا الله هناك من ذنوبكم ؛ أي في مواطن الحجّ ، فإن الدعاء في تلك المواطن جدير بالإجابة. وقال بعضهم : هذا خطاب للحمس أمرهم الله بالاستغفار مما كان منهم في الجاهليّة من مخالفة أمره بترك الوقوف بعرفات. (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لذنوب عباده إذا تابوا ، (رَحِيمٌ) بهم بعد التوبة. ويقال : معناه : إنّ الله غفور رحيم للحاج.
__________________
(١) النحل / ١٢٠.
(٢) النساء / ٥٤.
(٣) آل عمران / ١٧٣.
(٤) طه / ١١٥.
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
