ما تمنع غيرها أن يدخل فيها غيرها. وسمي الحديد حديدا لأنه يمتنع به من الأعداء. ويقال : حدّت المرأة وأحدّت إذا منعت نفسها من الزينة. فحدود الله هي ما منع الله منها أو منع من مخالفتها والتعدّي إلى غيرها.
قوله تعالى : (فَلا تَقْرَبُوها) أي فلا تأتوها ، يقال : قربت من الشيء أقربه ، وقربته وقربت منه بضمّ الراء ؛ إذا دنوت منه.
وقوله تعالى : (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ) أي هكذا يبيّن الله ؛ (آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (١٨٧) ؛ لكي تتّقوها وتنجوا من سخط الله والعذاب.
قوله عزوجل : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) ؛ أكل المال بالباطل على وجهين ؛ أحدهما : أخذه على وجه الظّلم بالغصب والخيانة وشهادة الزّور واليمين الفاجرة ؛ والثاني : أخذه من جهات محظورة مع رضاء صاحبه ؛ مثل القمار وأجرة الغناء والملاهي والنائحة وثمن الخمر والخنزير والرّبا وأشباه ذلك. ومعنى الآية : ولا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل ؛ أي من غير الوجه الذي أباحه الله تعالى. وأصل الباطل : الشيء الذاهب الزائل ؛ يقال : بطل يبطل بطولا وبطلانا ؛ إذا ذهب.
قوله تعالى : (وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ) ؛ أي ولا تظهروا حجّتكم للحكام بالباطل ، فيحكم الحاكم في الظاهر مع علم المحكوم له أنه غير مستحقّ في الباطن. وأصل الإدلاء : هو إرساله الدلو في البئر ؛ يقال : أدلى دلوه ؛ إذا أرسلها ، قال الله تعالى : (فَأَدْلى دَلْوَهُ)(١) ودلّاها يدلوها ؛ إذا أخرجها ثم جعل كلّ إلقاء قول أو فعل إدلاء ، ومنه قيل للمحتجّ بدعواه : أدلى بحجّته ؛ لأن الحجّة سبب وصوله إلى دعواه كالدلو سبب وصوله إلى الماء.
واختلف النحاة في محلّ قوله : (وَتُدْلُوا بِها) قال بعضهم : الجزم لتكرّر حرف النهي ؛ أي لا تأكلوا ولا تدلوا وكذلك هو في حرف أبي بإثبات (لا). وقيل : هو
__________________
(١) يوسف / ١٩.
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
