وزعموا أنه البرّ ، فأكذبهم الله تعالى بهذا وبيّن أن البر في طاعته واتباع أمره ، وأن البرّ يتمّ بالإيمان. وقيل : معناه : ليس البرّ كله في الصّلاة فقط ، (وَلكِنَّ الْبِرَّ) ، الذي يؤدّي للثواب ، (مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ، والإقرار بالملائكة أنّهم عباد الله ورسله ؛ لا كما قال بعض الكفار : أنّ الملائكة بنات الله. والإقرار بالنبيّين كلهم.
فإن قيل لهم : جعل (مَنْ) خبر (الْبِرَّ ، (الْبِرَّ) و (مَنْ) اسم و (الْبِرَّ) فعل ، وهم لا يجبرون : (الْبِرَّ) زيد. قيل : معناه عند بعضهم : ولكنّ البرّ الإيمان بالله ، والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل كقولهم : البرّ الصادق الذي يصل رحمه ويخفي صدقته ، يريدون صلة الرحم وإخفاء الصدقة ، فيكون (مَنْ) في موضع المصدر كأنه قال : ولكن البرّ من آمن بالله والبرّ برّ من آمن بالله ، كما يقال : الجود من حاتم ، والشجاعة من عنتر ؛ أي الجود جود حاتم ، والشجاعة شجاعة عنتر ، ومثله قوله تعالى : (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)(١).
أي أهل القرية. (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ)(٢) ؛ أي كخلق نفس. وقال أبو عبيدة : (معناه : ولكنّ البارّ من آمن بالله ، كقوله : (وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى)(٣) أي للمتّقي). وقيل : معناه : ولكن ذا البرّ من آمن بالله ، كقوله : (هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ)(٤) هم ذو درجات.
قوله تعالى : (وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ) ؛ أي من آمن بالله والملائكة كلهم والكتاب يعني الكتب ، والنبيين أجمع.
قوله تعالى : (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ) ؛ اختلفوا في الهاء الذي في (حُبِّهِ) ؛ فقال أكثر المفسرين : الهاء في (حُبِّهِ) راجع إلى المال ؛ يعني إعطاء المال في صحته ومحبته إياه وصلته به ، وهو صحيح يخشى الفقر ويأمل الغنى ، ولا يهمل حتى إذا بلغت الحلقوم فيقول : لفلان كذا أو لفلان كذا. أو قيل : هي عائدة إلى الله ؛ أي على حب الله تعالى. وقيل : على حب الأنبياء.
__________________
(١) يوسف / ٨٢.
(٢) لقمان / ٢٨.
(٣) طه / ١٣٢.
(٤) آل عمران / ١٦٣.
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
