فلما نزلت هذه الآية قالت الكفار : إذا لم تكن البحيرة والسائبة والوصيلة محرمة في المحرمات ، فأنزل الله تعالى قوله تعالى : (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ) ؛ قرأ السلمي : (إنما حرم عليكم) براء مضمومة مخففة (الميتة والدم ولحم الخنزير) رفعا.
وروي عن أبي جعفر أن قرأ : (حرم) بضم الحاء وكسر الراء وتشديدها ورفع ما بعدها. وقرأ إبراهيم بن أبي عبيلة : (إنما حرم عليكم الميتة) بنصب الحاء والراء وتشديد الراء ورفع الميتة وما بعدها ، وجعل (ما) بمعنى الذي المنفصلة ، ويكون موضع (ما) نصبا باسم إنّ ؛ وما بعدها خبرها. كما قال : (إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ) (١). وقرأه الباقون (حرم) بنصب الحاء وتشديد الراء ونصب (الميتة) وما بعدها ، وجعلوا (إِنَّما) كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. والميتة : ما لم يذكّ ، والدم : يعني المسفوح الجاري. وهذه الآية مخصوصة بالسّنة ؛ وهو قوله صلىاللهعليهوسلم : [أحلّت لنا ميتتان : السّمك والجراد ، والدّمان : الكبد والطّحال](١).
قوله تعالى : (وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) أراد جميع أجزائه وكل بدنه ، فعبّر ذلك باللحم ؛ لأنه معظمه وقوامه. وقوله تعالى : (وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ) أي ما ذكر عليه عند الذبح اسم غير الله ، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك : (يعني ما ذبح للأصنام والطّواغيت كلّها) وأصل الإهلال رفع الصوت ، ومنه إهلال الحجّ ؛ وهو رفع الصوت بالتلبية ، ومنه إهلال الصبي واستهلاله ؛ وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه.
قوله تعالى : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) ؛ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وأبو عمرو : (فمن اضطرّ) بكسر النون فيه وفيما يشابهه مثل (أن اقتلوا) وأمثاله. وقرأ ابن محيصن : (فمن اضطرّ) بإدغام الضاد في الطاء حتى يكون طاء خالصة.
__________________
(١) في الدر المنثور : ج ١ ص ٤٠٧ ؛ قال السيوطي : «أخرجه أحمد وابن ماجة والدراقطني وابن مردويه ، عن ابن عمر». رواه أحمد في المسند : ج ٢ ص ٩٧. وابن ماجة في السنن : كتاب الصيد : الحديث (٣٢١٨) ، وإسناده حسن. وفي نصب الراية : ج ٤ ص ٢٠٢ ؛ قال الزيلعي : «وله طريق آخر ، قاله ابن مردويه في تفسير سورة الأنعام».
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
