الثانية : سبق فهم طبيعة القرآن ، ووظيفته ، وهي أنّه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية مع طبيعة هذا الوجود ، وناموسه الإلهي ؛ حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله بل يصادفه ، ويعرف بعض أسراره ، ويستخدم بعض نواميسه من خلافته ؛ نواميسه التي تكشف له بالنظر ، والبحث ، والتجريب ، والتطبيق وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ليعمل لا ليتسلّم المعلومات المادية جاهزة.
الثالثة : هي التأويل المستمر مع التحمل ، والتكلّف لنصوص القرآن كي نحملها ، ونلهث بها وراء الفروض ، والنظريات التي لا تثبت ، ولا تستقر ، وكلّ يوم يجد فيه جديدا.
ومن هنا وكما يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالي : فإنّ كلّ حقيقة علمية قطعية هي قطعية في القرآن. وكلّ مسألة من مسائل العلم يثبت يقينها هي يقينية في القرآن.
ولنا القول : بأنّ الحقائق اليقينية القطعية هي كذلك في القرآن ، ولا تعارض بينها ، وبين القرآن. وهناك الحقائق العلمية اليقينية القطعية ، والتي اكتشفها ، ولا يزال يكتشفها الإنسان ، وردت شواهدها في القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرنا. بل ونص عليها القرآن ؛ معجزا للبشرية ، وهاديا لها حيث لم يسع العلم بعلمائه ، وأجهزته ، وأدواته ، إلّا أن يعترف بها ويخشع لخالقها ، تدعمها الآيات القرآنية العديدة التي تحث العقل البشري ، وتستزيده على الحقيقة العلمية ، وبالبحث ، والتقصّي ، وبالتدبر ، والتأمل في علوم الله ، ومخلوقاته ، حيث جعل منها شواهد على الإيمان يستدل بها الإنسان على ربه خالقه ، وخالقها.
ولنا أن نؤصل معالم الإعجاز العلمي في القرآن ضمن الموضوعين التاليين :
الأول : الإعجاز القرآني في الدعوة إلى العلم.
الثاني : الإعجاز القرآني في الحقائق العلمية.
