فالإعجاز العلمي للقرآن لا يفسّر باشتماله على نظريات علمية ، ومسائل علمية تخمينية غير يقينية ، وغير قطعية ، وقابلة للتفويض ، والتعديل ، والبطلان ؛ وإنّما يفسّر بدعوته للعقل البشري إلى التعقل ، والتدبر ، والتفكر ، والتعلم ، والتبحر في ميادين العلوم ، ومخلوقات الله ، ومن ثمّ الاستدلال بها على خالقها ، وموجدها ، ومنظمها.
ولنا في حديث الشهيد سيد قطب أسوة حسنة في تأصيل هذه المعاني حيث يقول في تفسيره في ظلال القرآن : «إنّ الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة ... أمّا ما يصل إليه البحث الإنساني ـ أيّا كانت الأدوات المتاحة له ـ فهي حقائق غير نهائية ، ولا قاطعة ، وهي مقيدة بحدود تجاربه ، وظروف هذه التجارب ، وأدواتها ، فمن الخطأ المنهجي ـ بحكم المنهج العلمي الإنساني ـ أن نعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية ، وهي كلّ ما يصل إليه العلم البشري». هذا بالقياس إلى الحقائق العلمية ، والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى علمية ، فهي قابلة دائما للتغيير ، والتعديل ، والنقض ، والإضافة ، بل قابلة لأن تنقلب رأسا على عقب بظهور أداة كشف جديدة ، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة. وكلّ محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيّرة ، أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة تحتوي أولا على خطأ منهجي أساسي.
كما أنّها تنطوي على معان ثلاثة كلّها لا يليق بجلال القرآن الكريم.
الأولى : هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض النّاس أنّ العلم هو المهيمن ، والقرآن تابع. ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم ، أو الاستدلال له من العلم ، على حين أنّ القرآن كتاب كامل في موضوعه ، ونهائي في حقائقه ؛ والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس. وكلّ ما يصل إليه غير نهائي ، ولا مطلق ؛ لأنّه مقيد بوسط الإنسان ، وعقله ، وأدواته. وكلّها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية ، ومطلقة.
