وسبلها المتبعة ؛ ولا تقع فجأة ، وإنّما تدريجيا ، وبتطور حثيث ، ويمكن التماسها ، واتباعها ، واستعمالها ؛ لتحقيق مزيد من التطور في معرفة المتكشف منها ثمّ تطويره. فالسيارة ، والطائرة من وسائل النقل الحديثة لم يجر اختراعها في لحظة واحدة ؛ وإنّما استمر سنوات عديدة. ووسائل اختراعها عند ما عرفت انتقل العلم بها إلى الكثيرين ، فتعلموها ، وطوروها ، واخترعوا أمثالها ، وأفضل منها. ونفس القول يقال بالنسبة لجميع العلوم والمخترعات ، سواء التي تتعلق بالآفاق : كعلوم الفضاء ، ومركباته ؛ أو علوم النفس : كعلوم الطب ، وأجهزته ؛ أو علوم الكون الأخرى المتعلقة بالنبات ، والبحار ، والرياح ، والجبال ، والمعادن ، وما شابهها. وهذا كله على خلاف المعجزات ، فإنّها تبقى بلا وسائل ، وبلا عوامل ، وبلا أشباه ، وبلا نظائر لها.
ثانيا : هناك فرق كبير ، وبون شاسع بين علوم القرآن الإلهية ، وبين علوم العلماء البشرية. ومن السخافة بمكان أن يقارن الإلهي بالبشرى. فالعلم الإلهي دائما معجز. والعلم البشري دائما غير معجز ، ويؤتى بمثله ، وأحسن. والعلم الإلهي ثابت في إعجازه إلى أبد الآبدين ؛ فلا ينقض ، ولا يخالف. والعلم البشري غير ثابت في حقيقته ، وقابل للنقض والتطور. والعلم الإلهي في القرآن يقيني في قطعيته لا تنتابه شواهد الظنية البشرية. والعلم البشري الظني لا يقوى على مخالفة العلم اليقيني القطعي في القرآن. والحقائق العلمية القرآنية حقائق نهائية ، وقطعية. وأمّا نظيرتها البشرية ، فليس كلها ذلك. وما ثبتت يقينيته أو قطعيته من العلوم والحقائق العلمية البشرية ، فهو يقيني ، وقطعي في القرآن. وعند ما يذكّرنا القرآن بحقيقة علمية كحقيقة أطوار خلق الإنسان من نطفة ثمّ من علقة ثمّ من مضغة ثمّ من عظم ثمّ من لحم ، فإنّ هذه الحقيقة العلمية تبقى أبدية في إعجازها ، وإلى أن تقوم الساعة. وعند ما يذكّرنا القرآن بحقيقة علمية علاجية كالعسل ، وشفائه ، فإنّ هذه الحقيقة العلمية تبقى معجزة ، وإلى قيام الساعة. ومن هنا لا يجوز أن تقارن علوم القرآن بعلوم البشر مهما أوتوا من عبقرية. وبذلك يبقى الفرق كبيرا بين ما جاء به القرآن ، وبين
