المكلفين في الجنة. ولكنه «صلىاللهعليهوآلهوسلم» أبى أن يأتل على الله ، وأبى أن تسير عائشة مع أوهام عقلها ، وظن تفكيرها ، فتحكم بغير روية ، وبلا علم. وكذلك انظر إلى ما رواه الإمام البخاري : «أنّه لما توفي عثمان بن مظعون ـ رضي الله عنه ـ قالت أم العلاء ـ امرأة من الأنصار ـ رحمة الله عليك أبا السائب ، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال «صلىاللهعليهوآلهوسلم» : «وما يدريك أنّ الله أكرمه؟!» فقالت : بأبي أنت يا رسول الله ، فمن يكرمه الله؟! قال : «أمّا هو فقد جاءه اليقين. والله ، إنّي لأرجو له الخير. والله ما أدري ، وأنا رسول الله ما يفعل بي» قالت : فو الله ، لا أزكّي أحدا بعده أبدا ، وكذلك يقول القرآن الكريم : (قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) سورة الأحقاف آية ٩. وكفى تفنيدا لهذه الشبهة أنّ الرسول «صلىاللهعليهوآلهوسلم» ـ وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه ، وما تأخر ـ عند ما أخبر صحابته أن لا يظنوا أن أعمالهم تدخلهم الجنة ، قالوا حتى أنت يا رسول الله! قال : «حتى أنا إلّا أن يتغمدني الله برحمته». وبهذا تأبى العقلانية السليمة ، والبصيرة الحاذقة ، أن تقارن فتاة واهية خيالية مدعية برسول الله محمد «صلىاللهعليهوآلهوسلم» ، وهو الراجح في عقله ، السديد في رأيه ، المتروي في حكمه ، الخلوق في فضائله. وتكفيه تزكية ربه له ، وهو الذي يقول فيه : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) سورة القلم آية ٤.
خامسا : ولعل أوضح ما يفند شبهتهم أنّها تفتقد إلى الدليل ، والحجة ، والبرهان ، في كل ما يدعون ، أو يمثلون. فهم ينكرون معجزة القرآن الخارقة للعادات ، ولكل ما هو سائد ، وجار ، سواء بالنسبة للغة ، أو البيان ، أو العلوم ، ودون أي دليل أو تثبت ، والأنكى من ذلك أنّهم يماثلون بين آيات الله المعجزة ، وبين خوارق البشر العادية ، كالفتاة الفرنسية جان دارك. ولعلّ ما يصبغ الإعجاز القرآني بعين اليقين أنّه يأتي خارقا للعادات ، والسنن الكونية دون أن يماثل ، أو يستطيع أحد من البشر أن يجاريه ، أو يمثل عليه ، فضلا عن أنّه يجعل من إعجازه آيات ،
