** (قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) : هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الثانية والأربعين .. المعنى قال فرعون لهم نعم وتكونون لدينا من المقربين. و«نعم» حرف عدة وتصديق وجواب الاستفهام وربما ناقض «بلى» إذا قيل : ليس لي عندك وديعة فقولك. «نعم» هو تصديق و«بلى» هو تكذيب. وقال الفيومي : نعم : معناها التصديق إن وقعت بعد الماضي نحو : هل قام زيد .. «وعدة ـ أو وعد» إن وقعت بعد المستقبل ـ أي المضارع ـ نحو : هل تقوم؟ قال سيبويه : نعم : عدة وتصديق .. قال ابن بابشاذ : يريد أنها عدة في الاستفهام وتصديق للأخبار ولا يريد اجتماع الأمرين فيها في كل حال. قال النيلي : وهي تبقي الكلام على ما هو عليه من إيجاب أو نفي لأنها وضعت لتصديق ما تقدم من غير أن ترفع النفي وتبطله. فإذا قال قائل : ما جاء زيد ولم يكن قد جاء وقلت في جوابه : نعم. كان التقدير : نعم ما جاء فصدقت الكلام على نفيه ولم تبطل النفي كما تبطله «بلى» وإن كان قد جاء قلت في الجواب : بلى. والمعنى : قد جاء. فنعم تبقي النفي على حاله ولا تبطله. وفي التنزيل : «ألست بربكم قالوا بلى» ولو قالوا نعم كان كفرا إذ معناه نعم لست بربنا لأنها لا تزيل النفي بخلاف «بلى» بعد النفي تكون للإيجاب. وجاء في أمثال العرب : «بئس الردف لا بعد نعم» الردف : بكسر الراء : هو الرديف. وقال المهلب بن أبي صفرة لابنه عبد الملك : يا بني إنما كانت وصية رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عامتها عدات أنفذها أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ فلا تبدأ بنعم. فإن موردها سهل ومصدرها وعر .. واعلم أن لا وإن قبحت فربما روحت وقال سمرة بن جندب : لأن أقول للشيء لا أفعله ثم يبدو لي فأفعله أحب إلي من أن أقول أفعله ثم لا أفعله. وقال المثقب :
|
حسن قول نعم من بعد لا |
|
وقبيح قول لا بعد نعم |
|
وإذا قلت نعم فاصبر لها |
|
بنجاح الوعد ؛ إن الخلف ذم |
وتأتي «إي» بمعنى «نعم» في القسم أي من لوازم القسم في قولهم : إي وربي كما كان «هل» بمعنى «قد» في الاستفهام خاصة .. ومنهم من يقول في التصديق : إيو فيصلونه بواو القسم .. ويؤتي بحرف الجواب «نعم» للدلالة على جملة الجواب المحذوفة قائمة مقامها. فإن قيل لك : هل أنت راض عن ذلك؟ فقلت : نعم .. فمعنى جوابك : نعم أنا راض عن ذلك. فحرف الجواب «نعم» سد مسد الجواب وهو جملة «أنا راض عن ذلك» أما قولهم : عم صباحا وهو كلمة تحية فكأنه محذوف من نعم ينعم .. كما يقال : كل .. من أكل ـ يأكل. حذف منه الألف والنون تخفيفا.
** (وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ) : معنى هذا القول الوارد في الآية الكريمة الرابعة والأربعين : نقسم بعظمة فرعون ذات القدرة التي لا تقهر .. أو بمناعة فرعون .. يقال : عز علي أن تفعل كذا ـ يعز ـ عزا ـ من باب «ضرب» بمعنى : اشتد .. وهو كناية عن الأنفة عنه. وعز ـ عزا ـ بكسر العين وعزازة ـ بفتح العين ـ بمعنى : قوي وعز ـ يعز ـ من باب «تعب» فهو عزيز وجمعه : أعزة والاسم «العزة» وعز أيضا بمعنى ضعف فهو من الأضداد وهذا القول الذي جاء على لسان سحرة فرعون فيه قسم بمناعة فرعون وسلطانه .. وهو من أيمان الجاهلية .. وهكذا كل حلف بغير الله .. ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم جاهلية نسبت لها الجاهلية الأولى وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها وصفاته على شيء لم يقبل منه ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمنى التي ليس وراءها حلف لحالف وهذا ما لا يقره الإسلام لأنه لا يصح الحلف إلا بالله ..
![إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز [ ج ٧ ] إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4041_irab-alquran-alkarim-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
