في غيره قال القرطبي : يقال فرغت من الشغل أفرغ فراغا وفروغا وتفرّغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلت وليس بالله تعالى شغل يفرغ منه ؛ وإنما المعنى سنقصد لمجازاتكم ومحاسبتكم فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك ؛ كقول القائل لمن يريد تهديده : إذا أتفرّغ لك أي أقصدك وأنشد ابن الأنباري لجرير (١) :
|
الآن وقد فرغت إلى نمير |
|
فهذا حين كنت لهم عذابا |
يريد : وقد قصدت ، وأنشد الزجاج والنحاس (٢) :
فرغت إلى العبد المقيد في الحجل
وفي حديث النبي صلىاللهعليهوسلم : «أنه لما بايع الأنصار ليلة العقبة صاح الشيطان : يا أهل الحباحب هذا مذمم يبايع بني قيلة على حربكم ، فقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : هذا أزبّ العقبة أما والله يا عدوّ الله لأتفرغنّ لك» (٣) أي : أقصد إلى إبطال أمرك. وهذا اختيار الكسائي وغيره. قال ابن الأثير الأزبّ في اللغة الكثير الشعر ؛ وهو ههنا شيطان اسمه أزبّ العقبة وهو الحية. وقيل : إنّ الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور ثم قال تعالى : (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ) أي ما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه أقسم ذلك وأتفرّغ منه قاله الحسن ومقاتل وابن زيد.
تنبيه : رسم (أَيُّهَ) بغير ألف فإذا وقف عليها وقف أبو عمرو والكسائي أيها بالألف ووقف الباقون على الرسم أيه وفى الوصل قرأ ابن عامر أيه برفع الهاء والباقون بنصبها.
فائدة : سمى الإنس والجن بالثقلين لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف ؛ وقيل : سموا بذلك لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتا. قال الله تعالى : (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها) [الزلزلة : ٢] ومنه قولهم : أعطه ثقله أي وزنه ؛ وقال بعض أهل المعاني كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل ومنه قيل لبيض النعام : ثقل ؛ لأنّ واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به ؛ وقال جعفر الصادق : سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب ؛ وقيل : الثقل الإنس لشرفهم وسمي الجن بذلك مجازا للمجاورة والتغلب كالقمرين والعمرين والثقل العظيم الشريف. قال صلىاللهعليهوسلم : «إني تارك فيكم ثقلين كتاب الله عزوجل وعترتي» (٤).
(فَبِأَيِّ آلاءِ) أي : نعم (رَبِّكُما) أي : المحسن إليكما بهذا الصنيع المحكم (تُكَذِّبانِ) أي : أبتلك النعم من إثابة أهل طاعته وعقوبة أهل معصيته أم بغيرها؟.
(يا مَعْشَرَ الْجِنِ) أي : يا جماعة فيهم الأهلية والعشرة والتصادق (وَالْإِنْسِ) أي : الخواص
__________________
(١) البيت من الوافر ، وهو لجرير في لسان العرب (أين) ، ولم أقع عليه في ديوانه.
(٢) صدره :
ولمّا اتّقى القين العراقي باسته
والبيت من الطويل ، وهو لجرير في ديوانه ص ٩٥٢ ، ولسان العرب (فرغ) ، والكامل ص ٣٦ ، وجمهرة اللغة ص ٣٧٦ ، وتاج العروس (فرغ) ، (حجل).
(٣) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٦ / ٤٥ ، والقرطبي في تفسيره ١٧ / ١٦٨ ، وابن كثير في البداية والنهاية ٣ / ١٦٤.
(٤) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٢٤٠٨ ، وأحمد في المسند ٣ / ١٤ ، ١٧ ، ٢٦ ، ٥٩ ، ٤ / ٣٦٧ ، ٣٧١.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٤ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4030_tafsir-alkhatib-alshirbini-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
