الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظرا إلى المستعار له ولو نظر إلى المستعار لقال : ضافي الرداء ، أي : سابغه ومعنى البيت إذا ضحك المسؤول ضحكة أيقن السائل بذلك التبسم استرقاق رقاب ماله وأنه يعطي بلا خلاف وقد ينظر إلى المستعار له كقوله (١) :
|
ينازعني ردائي عبد عمرو |
|
رويدك يا أخا عمرو بن بكر |
|
لي الشطر الذي ملكت يميني |
|
ودونك فاعتجر منه بشطر |
استعار الرداء للسيف ثم قال : فاعتجر نظرا إلى المستعار ولو نظر إلى المستعار منه لقال تعالى في الآية : وكساهم لباس الجوع والخوف ولقال كثير : ضافى الرداء إذا تبسم ضاحكا وهذا نهاية ما يقال في الاستعارة ، وقال ابن عطية : لما باشرهم ذلك صار كاللباس وهذا كقول الأعشى (٢) :
|
إذا ما الضجيع ثنى جيدها |
|
تثنت عليه فكانت لباسا |
ومثله قوله تعالى : (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ) [البقرة ، ١٨٧] ومثله قول الشاعر (٣) :
|
وقد لبست بعد الزبير مجاشع |
|
لباس التي حاضت ولم تغسل الدما |
كأنّ العار لما باشرهم ولصق بهم كأنهم نسوة وقوله تعالى : (فَأَذاقَهَا) نظير قوله تعالى : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدخان ، ٤٩] ونظير قول الشاعر : دون ما جنيت فأحس وذق. وقوله تعالى : (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) يجوز أن تكون ما مصدرية ، أي : بسبب صنعهم أو بمعنى الذي والعائد محذوف ، أي : بسبب الذي كانوا يصنعونه والواو في يصنعون عائد على أهل البلد ، وقيل : قرية نظير قوله تعالى : (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) [الأعراف ، ٤] بعد قوله تعالى : (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها) [الأعراف ، ٤].
ولما ذكر الله تعالى المثل ذكر الممثل له فقال تعالى : (وَلَقَدْ جاءَهُمْ) أي : أهل هذه القرية (رَسُولٌ مِنْهُمْ) من نسبهم يعرفونه بأصله ونسبه وهو محمد صلىاللهعليهوسلم (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ) قال ابن عباس : يعني الجوع الذي كان بمكة ، وقيل : القتل الذي كان يوم بدر (وَهُمْ ظالِمُونَ) أي : في حال تلبسهم بالظلم كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) [النساء ، ٩٧] نعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة. وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالإدغام.
ثم قال تعالى : (فَكُلُوا) أي : أيها المؤمنون (مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) قال ابن عباس : يريد من الغنائم. وقال الكلبي : إنّ رؤساء مكة كلموا رسول الله صلىاللهعليهوسلم حين جهدوا وقالوا : عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان ، وكانت الميرة قد قطعت عنهم فأذن في الحمل إليهم فحمل الطعام إليهم فقال الله تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ.) وقال الرازي : والقول ما قال ابن عباس يدل عليه قوله
__________________
(١) البيتان من الوافر ، والبيت الأول بلا نسبة في لسان العرب (ردى) ، بلفظ العجز فيه :
رويدا يا أخا سعد بن بكر
(٢) البيت من المتقارب ، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص ٨١ ، ومقاييس اللغة ٥ / ٢٣٠ ، وتهذيب اللغة ١٢ / ٤٤٤ ، ومجمل اللغة ٤ / ٢٦٢ ، والشعر والشعراء ص ٣٠٢ ، ولسان العرب (لبس).
(٣) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
