ومعنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله وتبعتهم على ذلك فلهذا قدّرت ذلك في الآية الكريمة ، ومثل ذلك قوله تعالى : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة ، ٦] ومثله من الكلام إذا أكلت فسمّ ، ، أي : إذا أردت أن تأكل فقل : بسم الله الرحمن الرحيم ، وإذا سافرت فتأهب ، أي : إذا أردت السفر فتأهب ، وأيضا الوسوسة إنما تحصل في أثناء القراءة فتقديم الاستعاذة على القراءة لتذهب الوسوسة عنه أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها.
ولما أمر الله تعالى رسوله صلىاللهعليهوسلم بالاستعاذة من الشيطان ، وكان ذلك يوهم أنّ للشيطان قدرة على التصرّف في إتيان الإنسان أزال الله تعالى ذلك الوهم وبيّن أنه لا قدرة له ألبتة إلا على الوسوسة بقوله تعالى : (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ) أي : بحيث لا يقدر المسلط عليه على الانفكاك عنه. (عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) أي : بتوفيق ربهم لهم. (وَعَلى رَبِّهِمْ) وحده (يَتَوَكَّلُونَ) أي : على أوليائه المؤمنين به والمتوكلين عليه ، فإنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته. وعن سفيان الثوريّ قال : ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم ، ثم وصل تعالى بذلك ما أفهمه من أنّ له سلطانا على غيرهم بقوله : (إِنَّما سُلْطانُهُ) أي : الذي يتمكن به غاية التمكن بإمكان الله تعالى له : (عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) أي : يجيبونه ويطيعونه (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ) أي : بالله تعالى (مُشْرِكُونَ) وقيل الضمير راجع إلى الشيطان والمعنى هم بسببه مشركون بالله.
ولما كان المشركون إذا نزلت آية فيها شدّة ثم نزلت آية ناسخة لها يقولون إن محمدا يستهزئ بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا ما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه نزل : (وَإِذا بَدَّلْنا) أي : بقدرتنا بالنسخ (آيَةً) سهلة كالعدّة بأربعة شهور وعشر وقتال الواحد من المسلمين لاثنين من الكفار ، أو شاقة كتحريم الخمر وإيجاب الصلوات الخمس فجعلناها (مَكانَ آيَةٍ) شاقة كالعدّة بحول ومصابرة عشرة من الكفار أو سهلة كالآيات المتضمنة لإباحة الخمر والتبديل رفع الشيء ووضع غيره مكانه (وَاللهُ) أي : الذي له الإحاطة الشاملة (أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ) من المصالح بحسب الأوقات والأحوال بنسخ أو غيره (قالُوا) أي : الكفار (إِنَّما أَنْتَ) يا محمد (مُفْتَرٍ) أي : متقوّل على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه وهو جواب إذا. (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ) اعتراض ، والمعنى : والله أعلم بما ينزل من الناسخ والمنسوخ والتغليظ والتخفيف ، أي : هو أعلم بجميع ذلك ومصالح العباد ، وهذا توبيخ للكفار على قولهم إنما أنت مفتر ، أي : إذا كان هو أعلم بما ينزل فما لهم ينسبون محمدا إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) وهم الذين يستمرّون على الكفر (لا يَعْلَمُونَ) حكمة فائدة النسخ والتبديل ولا يميزون الخطأ من الصواب ، فإن الله تعالى أعلم بمصالح العباد كما أنّ الطبيب يأمر المريض بشربة ثم بعد مدّة ينهاه عنها ، ويأمره بغيرها بضدّ تلك الشربة.
ثم أمر الله تعالى نبيه صلىاللهعليهوسلم بالردّ عليهم بقوله تعالى : (قُلْ) لمن واجهك بذلك منهم (نَزَّلَهُ) أي : القرآن بحسب التدريج لأجل اتباع المصالح بإحاطة علم المتكلم به (رُوحُ الْقُدُسِ) أي : جبريل عليهالسلام وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر كما يقال : حاتم الجود ، وزيد الخير ، والمراد الروح المقدّس ، وحاتم الجواد ، وزيد الخير. والمقدّس المطهر من المآثم (مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ) أي : متلبسا بالحكمة (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا) أي : ليثبت بالقرآن قلوب الذين آمنوا فيزدادوا إيمانا ويقينا (وَهُدىً) أي : بيانا واضحا (وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) أي : المنقادين لحكمك. فإن قيل :
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
