فتسقط عن مرتبتها لا يليق بنقض عهد قبله وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلىاللهعليهوسلم على الإيمان به وبشرائعه.
تنبيه : فتزل منصوب بإضمار أن على جواب النهي وزلل القدم مثل يذكر لكل من وقع في بلاء بعد عافية أو سقط في ورطة بعد سلامة أو محنة بعد نعمة.
(وَتَذُوقُوا السُّوءَ) أي : العذاب في الدنيا (بِما) أي : بسبب ما (صَدَدْتُمْ) أي : أنفسكم ومنعتم بأيمانكم التي قد أردتم بها الإفساد وخفاء الحق. (عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي : دينه وذلك أنّ من نقض العهد سهل على غيره طرق نقض العهد فيستن به (وَلَكُمْ) مع ذلك (عَذابٌ عَظِيمٌ) أي : ثابت غير منفك إذا متم على ذلك.
ثم أكد سبحانه وتعالى هذا التحذير بقوله تعالى : (وَلا تَشْتَرُوا) أي : ولا تكلفوا أنفسكم لجاجا وتركا للنظر أن تأخذوا وتستبدلوا. (بِعَهْدِ اللهِ) الذي له الكمال كله (ثَمَناً قَلِيلاً) أي : من حطام الدنيا وإن كنتم ترونه كثيرا ثم علل قلته بقوله تعالى : (إِنَّما عِنْدَ اللهِ) أي : الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين (هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) ولا يعدل عن الخير إلى غيره إلا لجوج ناقص العقل ، ثم شرط علم خيريته لكونهم من ذوي العلم بقوله تعالى : (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي : إن كنتم من أهل العلم والتمييز فتعلمون فضل ما بين العوضين.
ثم بين ذلك بقوله تعالى : (ما عِنْدَكُمْ) أي : من متاع الدنيا ولذاتها (يَنْفَدُ) أي : يفنى فصاحبه منغص العيش أشدّ ما يكون به اغتباطا بانقطاعه (وَما عِنْدَ اللهِ) أي : الذي له الأمر كله من ثواب الآخرة ونعيم الجنة (باقٍ) أي : دائم. روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «من أحب دنياه أضرّ بآخرته ، ومن أحب آخرته أضرّ بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» (١). وقرأ ابن كثير باقي في الوقف بالياء ، والباقون بغير ياء. وأمّا في الوصل فالجميع بالتنوين. (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا) على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي في السرّاء والضرّاء. (أَجْرَهُمْ) أي : ثواب صبرهم (بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي : بجزاء أحسن من أعمالهم أو يجزيهم على أحسن أعمالهم وذلك لأنّ المؤمن قد يأتي بالمباحات وبالمندوبات وبالواجبات ولا شكّ أنّ الواجبات والمندوبات مما يثاب على فعلها لا على فعل المباحات. وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون قبل الجيم ، أي : ولنجزين نحن والباقون بالياء ، أي : وليجزين الله.
ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في الإيمان بكل ما كان من شرائع الإسلام بقوله تعالى : (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) إذ لا اعتداد بأعمال الكفار في استحقاق الثواب وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب. فإن قيل : من عمل صالحا يفيد العموم فما فائدة من ذكر أو أنثى؟ أجيب : بأنه ذكر دفعا للتخصيص بأحد الفريقين. واختلف في قوله تعالى : (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) فقال سعيد بن جبير وعطاء : هي الرزق الحلال. وقال مقاتل : هي العيش في الطاعة. وقال الحسن : هي القناعة لأنّ عيش المؤمن في الدنيا وإن كان فقيرا أطيب من عيش الكافر وإن كان
__________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤ / ١٧٥ ، و ٤١٢ ، والبيهقي في السنن الكبرى ٣ / ٣٧٠ ، والحاكم في المستدرك ٤ / ٣٠٨ ، ٣١٩ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ١٠ / ٢٤٩ ، والسيوطي في الدر المنثور ٣ / ٢٣٨ ، ٦ / ٣٤١ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٦١٤٦.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
