مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥))
(إِنَّ اللهَ) أي : الملك المستجمع لصفات الكمال (يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) قال ابن عباس : في بعض الروايات العدل شهادة أن لا إله إلا الله (وَالْإِحْسانِ) أداء الفرائض ، وقال في رواية أخرى : العدل خلع الأنداد والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وأن تحبّ للناس ما تحبّ لنفسك فإن كان مؤمنا أحببت له أن يزداد إيمانا وإن كان كافرا أحببت له أن يكون أخاك في الإسلام ، وقال في رواية ثالثة : العدل هو التوحيد والإحسان هو الإخلاص فيه وقال آخرون : يعني بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال فلا تفعل إلا ما هو عدل ولا تقل إلا ما هو إحسان وأصل العدل المساواة في كل شيء من غير زيادة ولا نقصان فالعدل هو المساواة في المكافأة إن خيرا فخير وإن شرا فشر والإحسان أن تقابل الخير بأكثر منه والشرّ بأن تعفو عنه ، وعن الشعبي قال عيسى ابن مريم : إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك. وقيل : العدل الإنصاف ، والإنصاف أعدل من الاعتراف للمنعم بإنعامه ، والإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ، وعن محمد بن كعب القرظي قال : دعاني عمر بن عبد العزيز فقال : صف لي العدل؟ فقلت : بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أبا ولكبيرهم ابنا وللمثل منهم أخا وللنساء كذلك. (وَإِيتاءِ) أي : ومن الإحسان إيتاء (ذِي الْقُرْبى) أي : القرابة القربى والبعدى فيندب أن تصلهم من فضل ما رزقك الله فإن لم يكن لك فضل فدعاء حسن وتودّد. وروى أبو سلمة عن أبيه أنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «إنّ أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم ، إنّ أهل هذا البيت ليكونون تجارا فتنمى أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم» (١).
ولما أمر تعالى بالمكارم نهى عن المساوئ بقوله تعالى : (وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ) قال ابن عباس : أي : الزنا ، فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها. وقال غيره : الفحشاء ما قبح من القول والفعل فيدخل فيه الزنا وغيره من جميع الأقوال والأفعال المذمومة جميعها. (وَالْمُنْكَرِ) قال ابن عباس : يعني الشرك والكفر. وقال غيره : المنكر ما لا يعرف في شريعة أو سنة. (وَالْبَغْيِ) هو الاستيلاء على الناس والتجبر عليهم قيل : إنّ أعجل المعاصي عقابا البغي ، ولو أنّ جبلين بغى أحدهما على الآخر لدك الباغي. ونص تعالى على البغي مع دخوله في المنكر اهتماما به ، كما بدأ بالفحشاء لذلك. وقال ابن قتيبة في هذه الآية : العدل استواء السرّ والعلانية والإحسان أن تكون سريرته خيرا من علانيته والفحشاء والمنكر والبغي أن تكون علانيته أحسن من سريرته. وقال بعض العلماء : إنّ الله تعالى ذكر من المأمورات ثلاثة أشياء ، ومن المنهيات ثلاثة أشياء ، فذكر العدل
__________________
(١) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٨ / ١٥٢ ، وموارد الظمآن ٢٠٣٨ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٦٩٥٧ ، و ٦٩٥٨ ، والسيوطي في الدر المنثور ٤ / ١٧٧.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
