بِالْإِيمانِ) أي : يأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها (فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) أي : أخطأ الطريق الحق والسواء في الأصل الوسط. وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار قد عند الضاد حيث جاء ، وأدغمها الباقون ونزل في نفر من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد : لو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلا منكم فقال لهم عمار : كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا : شديد قال : فإني قد عاهدت الله أن لا أكفر بمحمد صلىاللهعليهوسلم ما عشت ، فقالت اليهود : أمّا هذا فقد صبا ، وقال حذيفة : وأمّا أنا فقد رضيت بالله ربا وبمحمد صلىاللهعليهوسلم نبيا وبالاسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا ثم أتيا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأخبراه بذلك فقال : «أصبتما الخير وأفلحتما» (١).
(وَدَّ) أي : تمنى (كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) من اليهود (لَوْ يَرُدُّونَكُمْ) أي : يردّوكم يا معشر المؤمنين فلو مصدرية بمعنى إن ، فإنّ لو تنوب عن أن في المعنى دون اللفظ (مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً) مرتدّين وقوله : (حَسَداً) مفعول له كائنا (مِنْ عِنْدِ) أي : من تلقاء (أَنْفُسِهِمْ) أي : لم يأمرهم الله بذلك وإنما حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ) في التوراة (الْحَقُ) في شأن النبيّ محمد صلىاللهعليهوسلم (فَاعْفُوا) عنهم أي : اتركوهم (وَاصْفَحُوا) أي : أعرضوا عنهم فلا تجازوهم وكان هذا قبل آية القتال ، ولهذا قال تعالى : (حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) فيهم من القتال وقد أذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم.
وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنّ هذا منسوخ بقوله تعالى : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) الآية [التوبة ، ٢٩] ، وأبى النسخ جماعة من المفسرين والفقهاء واحتجوا بأنّ الله تعالى لم يأمر بالعفو والصفح مطلقا وإنما أمر به إلى غاية وما بعد الغاية يخالف ما قبلها وما هذا سبيله لا يكون من باب النسخ بل يكون الأوّل قد انقضت مدّته والآخر يحتاج إلى حكم آخر (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو يقدر على الانتقام من الكفار :
وقوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) عطف على قوله : فاعفوا كأنه تعالى أمرهم بالصبر والمخالفة واللجوء إليه بالعبادة والبرّ (وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي : طاعة كصلاة وصدقة (تَجِدُوهُ) أي : ثوابه (عِنْدَ اللهِ) فيجازيكم به (إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لا يضيع عنده عمل عامل.
(وَقالُوا) أي : كثير من أهل الكتاب من اليهود والنصارى (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً) جمع هائد كعائد وعود (أَوْ نَصارى) قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران لما تناظروا بين يدي النبيّ صلىاللهعليهوسلم أي قالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا اليهود ولا دين إلا دين اليهودية ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا النصارى ولا دين إلا دين النصرانية ، فجمع الله بين القولين ثقة بأنّ السامع يرد إلى كلّ فريق قوله وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كلّ واحد منهما لصاحبه ونحوه (تِلْكَ) أي : القولة (أَمانِيُّهُمْ) أي : شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله تعالى بغير حق (قُلْ) لهم يا محمد (هاتُوا بُرْهانَكُمْ) أي : حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في دعواكم إذ كل قول لا دليل عليه فهو غير صحيح وهذا متصل بقولهم : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وتلك أمانيهم اعتراض وقوله تعالى :
__________________
(١) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١ / ١٩.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
