يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨))
(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً) خطاب للجمع لوجود القتل فيهم (فَادَّارَأْتُمْ) فيه إدغام التاء في الأصل في الدال أي : تخاصمتم وتدافعتم (فِيها) أي : في شأنها ؛ إذ المتخاصمان يدفع بعضهم بعضا ، أو تدافعتم بأن طرح كل قتلها عن نفسه إلى صاحبه (وَاللهُ مُخْرِجٌ) أي : مظهر (ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) فإن القاتل كان يكتم القتل ، وقوله تعالى : (فَقُلْنا اضْرِبُوهُ) أي : القتيل ، عطف على ادّارأتم وما بينهما اعتراض ، والضمير للنفس وتذكير الضمير على تأويل الشخص أو القتيل (بِبَعْضِها) أي : ببعض البقرة واختلفوا في ذلك البعض فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين : ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو ما لان من العظام ، وقال مجاهد وسعيد بن جبير : بعجب الذنب لأنه أوّل ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق ، وقال الضحاك : بلسانها ، قال الحسين بن الفضل : لأنه آلة الكلام ، وقال عكرمة والكلبي : بفخذها الأيمن ، وقيل : بعضو منها لا بعينه ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دما وقال : قتلني فلان ثم سقط ومات مكانه فحرم قاتله الميراث وقتل وفي الخبر «ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة» (١) وفيه إضمار تقديره : فضرب فحيي ، قال تعالى : (كَذلِكَ) الإحياء (يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى) والخطاب مع من حضر حياة القتيل أو نزول الآية (وَيُرِيكُمْ آياتِهِ) دلائل قدرته (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) لكي يكمل عقلكم وتعلموا أنّ من قدر على إحياء نفس قدر على إحياء الأنفس كلها فتؤمنون.
قال البيضاويّ : ولعله تعالى إنما لم يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما فيه من التقرّب وأداء الواجب ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل أي : توكل أبي اليتيم والشفقة على الأولاد وأن من حق الطالب أن يقدم قربة والمتقرّب أن يتحرّى الأحسن ويغالي بثمنه كما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضحى بنجيبة ـ أي : من الإبل ـ بثلثمائة دينار ، وأن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى إذ لا يتصوّر حياة ميت من غيره تعالى والأسباب أمارات لا أثر لها وأن من أراد أن يعرف أعدى عدوّه الساعي في إماتته الموت الحقيقي فطريقه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوّة الشهوية حين زال عنها أثر الصبا أي : عدم التكليف ، وهو نظير لا بكر ولم يلحقها ضعف الكبر أي : وهو نظير لا فارض ، وكانت معجبة رائقة المنظر أي : وهو نظير تسرّ الناظرين غير مذللة في طلب الدنيا أي : وهو نظير لا ذلول تثير الأرض مسلمة من دنسها ، (لا شِيَةَ) أي : لا علامة بها من قبائحها بحيث يصل أثره أي : الذبح إلى نفسه فتحيا حياة طيبة ، ويعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارؤ والنزاع أي : لأن العقل يأمر بالخير والوهم يأمر بالشهوات.
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ) أيها اليهود أي : ضلت عن قبول الحق لأن القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة كما في الحجر وقساوة القلب مثل في بعده عن الاعتبار ، وثم لاستبعاد القسوة عن الإحياء لا للتراخي في الزمان بل للاستبعاد مجاز القرينة ما قبلها بمعنى أنه يبعد من العاقل قسوة القلب بعد ظهور تلك الآية العظيمة (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات فإن ذلك مما يوجب لين القلب (فَهِيَ كَالْحِجارَةِ) في قسوتها ، قرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بكسرها (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) من الحجارة ، وقيل : أو بمعنى الواو كقوله تعالى : (مِائَةِ
__________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٠٣١.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
