فاقِعٌ لَوْنُها) أي : شديد الصفرة ولذلك تؤكد به الصفرة فيقال : أصفر فاقع كما يقال : أسود حالك ، وعن الحسن : سوداء شديدة السواد وبه فسر قوله تعالى : (جِمالَتٌ صُفْرٌ) [المرسلات ، ٣٣] قال البيضاويّ : ولعله عبر بالصفرة عن السواد لأنه من مقدّماته ، قال البغويّ : والأوّل أصح لأنه لا يقال أسود فاقع إنما يقال : أصفر فاقع ، وأسود حالك وأخضر ناصح (تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) إليها أي : يعجبهم حسنها وصفاء لونها ، والسرور أصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه.
(قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ) أي : أسالمة أم عاملة؟ وعلى هذا فليس تكرارا للسؤال الأوّل (إِنَّ الْبَقَرَ) أي : جنسه المنعوت كما ذكر (تَشابَهَ) أي : التبس واشتبه أمره (عَلَيْنا) لكثرته فلم يهتدوا إلى المقصود.
تنبيه : لم يقل تشابهت علينا لأنّ المراد الجنس كما مرّ أو لتذكير لفظ البقر كقوله تعالى : (أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) [القمر ، ٢٠] (وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ) إلى وصفها وفي الحديث : «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» (١). واحتجّ به أصحابنا على أنّ الحوادث بإرادة الله تعالى وأنّ الأمر قد ينفك عن الإرادة وإلا لم يكن للشرط بعد الأمر معنى. والمعتزلة والكرامية على حدوث الإرادة لأنها وقعت شرطا والشرط أمر يحدث في المستقبل ، وأجيب : بأنّ تعليق الاهتداء بالمشيئة التي هي الإرادة باعتبار تعلق المشيئة بالاهتداء وهذا التعلق هو الحادث ولا يلزم من ذلك قيام الحوادث به تعالى لأنّ التعلق أمر اعتباري.
(قالَ) موسى (إِنَّهُ) أي : ربي (يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ) أي : غير مذللة بالعمل (تُثِيرُ الْأَرْضَ) أي : تقلبها للزراعة ، والجملة صفة ذلول داخلة في النفي (وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ) أي : الأرض المهيأة للزراعة ، ولا الثانية مزيدة لتأكيد الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قال : لا ذلول مثيرة وساقية (مُسَلَّمَةٌ) من العيوب وإثارة العمل (لا شِيَةَ) أي : لا لون (فِيها) سوى لون جميع جلدها ، قال مجاهد : لا بياض فيها ولا سواد (قالُوا الْآنَ جِئْتَ) أي : نطقت (بِالْحَقِ) أي : بالبيان التامّ الشافي الذي لا إشكال فيه فطلبوها فوجدوها عند الفتى البارّ بأمّه فاشتروها بملء مسكها أي : جلدها ذهبا كما قال له الملك ، وقوله تعالى : (فَذَبَحُوها) فيه اختصار ، والتقدير فحصلوا البقرة المنعوتة فذبحوها (وَما كادُوا) أي : ما قاربوا (يَفْعَلُونَ) لتطويلهم وكثرة مراجعتهم ، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل ، أو لغلاء ثمنها ولا ينافي قوله : (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) قوله : (فَذَبَحُوها) لاختلاف وقتيهما إذ المعنى ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم وانقطعت تعللاتهم ففعلوا كالمضطرّ الملجأ إلى الفعل.
(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ
__________________
(١) أخرجه بنحوه القرطبي في تفسيره ١ / ٤٥٢ ، وابن عبد البر في التمهيد ٢٣ / ٤٤٥.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
