هو الذي يطلقها ويعذرنا فربطوا أنفسهم في سواري المسجد فلما رجع رسول الله صلىاللهعليهوسلم دخل المسجد على عادته في رجوعه من سفره فصلى ركعتين فرآهم فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا الا يحلوا أنفسهم حتى تحلهم وترضى عنهم فقال : «وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية» (١) فأرسل رسول الله صلىاللهعليهوسلم إليهم وأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها خذها فتصدّق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا فقال عليه الصلاة والسّلام : «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» (٢) فأنزل الله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) من الذنوب أو حب المال المؤدّي إلى مثله وتجري لهم مجرى الكفارة هذا قول الحسن كان يقول : ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي كفارة الذنب الذي صدر ويدل عليه أنه صلىاللهعليهوسلم أخذ ثلث أموالهم وتصدّق بها وأبقى لهم الثلثين ولم يأخذ الجميع لأنّ الله تعالى قال : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ) والصدقة الواجبة لا يؤخذ فيها ثلث المال (وَتُزَكِّيهِمْ بِها) أي : وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي : واعطف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم والسنة أن يدعو آخذ الصدقة لصاحب الصدقة إذا أخذها.
وعن الشافعي رضي الله عنه أنه كان يقول أحب أن يقول الوالي عند أخذ الصدقة : أجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت. (إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) أي : تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم لأنّ روحه صلىاللهعليهوسلم كانت روحا قوية مشرقة صافية باهرة فإذا دعا صلىاللهعليهوسلم لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوّة روحه الروحانية على أرواحهم فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم وانتقلوا من الظلمة إلى النور ومن الجسمانية إلى الروحانية فحصل لهم بذلك غاية الطمأنينة. وقرأ حفص وحمزة والكسائيّ : صلاتك بغير واو بعد اللام ونصب التاء على التوحيد ، والباقون بالواو وكسر التاء على الجمع لتعدّد المدعوّ لهم.
قيل : إنّ هذه الآية كلام مبتدأ والمقصود منها إيجاب أخذ الزكوات من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكاة وقالوا في الزكاة : إنها طهرة (وَاللهُ سَمِيعٌ) لأقوالهم واعترافهم ودعائك لهم (عَلِيمٌ) بندامتهم ونياتهم.
ولما حكى سبحانه عن القوم الذين تقدّم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم تصدّقوا وهناك لم يذكر إلا قوله : (عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) وما كان ذلك صريحا في قبول التوبة ذكر بعد ذلك أنه يقبل التوبة وأنه سبحانه يأخذ الصدقات ترغيبا لمن لم يتب في التوبة وترغيبا لكل العصاة في الطاعة بقوله تعالى :
(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ) أي : يقبل (الصَّدَقاتِ) والضمير إما للمتوب عليهم والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد بصدقاتهم وإمّا لغيرهم والمراد به التحضيض عليها والآية وإن وردت بصيغة الاستفهام إلا أنّ المراد بها التقرير في النفس ، ومن عادة العرب في إفهام المخاطب وإزالة الشك عنه أن يقولوا أما علمت أنّ من علمك يجب عليك خدمته أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره. فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم ترغيبا في التوبة وبذل الصدقات وذلك أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال الذين
__________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ١١ / ١٦.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١١ / ١٣ ، والقرطبي في تفسيره ٨ / ٢٤٢ ، والسيوطي في الدر المنثور ٣ / ٢٧٢.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
