هو ممن حولكم ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت : ومن أهل المدينة قوم (مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ) على أن مردوا صفة موصوف محذوف كقول الشاعر (١) :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
أي : أنا ابن رجل جلا فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه.
وقال الزجاج : في الآية تقديم وتأخير والتقدير وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق أي : ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا عنه وأصل المرود الملاسة ومنه صرح ممرّد وغلام أمرد (لا تَعْلَمُهُمْ) بأعيانهم أي : يخفون عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك لفرط توقيهم ما يشكك في أمرهم ثم هددهم وبين خسارتهم بقوله تعالى : (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) أي : لا يعلمهم إلا الله تعالى ولا يطلع على سرهم غيره لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطانا ويبرزون لك ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين لا تشك معه في إيمانهم وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروا به فلهم فيه اليد الطولى واختلفوا في تفسير قوله تعالى : (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) فقال الكلبي والسدي : قام النبي صلىاللهعليهوسلم خطيبا يوم الجمعة فقال : «اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق» (٢) فأخرج من المسجد جماعة من المنافقين وفضحهم فهذا هو العذاب الأوّل والثاني عذاب القبر.
فإن قيل : كيف هذا مع قوله تعالى : (لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ؟) أجيب : بأنه تعالى أعلمه بهم بعد ذلك. وقال مجاهد : الأوّل : القتل والسبي ، والثاني : عذاب القبر ، وقال ابن زيد : الأوّل : لمصائب في الأولاد ، والثاني : عذاب الآخرة ، وقال ابن عباس : الأوّل : إقامة الحدود عليهم ، والثاني : عذاب القبر ، وقيل : عذبوا بالجوع مرّتين ، وقيل : الأول : ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم ، والثاني : عذاب القبر ، وقيل : الأوّل : إحراق مسجدهم مسجد الضرار ، والثاني : إحراقهم بنار جهنم كما قال تعالى : (ثُمَّ يُرَدُّونَ) أي : في الآخرة (إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) هو النار.
وقوله تعالى : (وَآخَرُونَ) أي : وقوم آخرون مبتدأ وقوله تعالى : (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) ولم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة نعته ، والخبر (خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً) أي : وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك (وَآخَرَ سَيِّئاً) أي : وهو تخلفهم (عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه نزلت في طائفة من المتخلفين عن غزوة تبوك ، واختلف في عددهم فعن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثة عشر وروي عنه أنهم كانوا خمسة وقال سعيد ابن جبير : كانوا ثمانية ، وقيل : كانوا ثلاثة ندموا لما بلغهم ما نزل بالمتخلفين وتابوا وقالوا : نكون في الظلال ومع النساء ورسول الله صلىاللهعليهوسلم وأصحابه في الجهاد واللأواء فلما رجع رسول الله صلىاللهعليهوسلم من سفره وقرب من المدينة قالوا : والله لنوثقنّ أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلىاللهعليهوسلم
__________________
(١) عجزه :
متى أضع العمامة تعرفوني
والبيت من الوافر ، وهو لسحيم بن وثيل الرياحي في الاشتقاق ص ٢٢٤ ، والأصمعيات ص ١٧ ، وجمهرة اللغة ص ٤٩٥ ، وخزانة الأدب ١ / ٢٥٥ ، والدرر ١ / ٩٩ ، وشرح شواهد المغني ١ / ٤٥٩ ، وشرح المفصل ٣ / ٦٢ ، والشعر والشعراء ٢ / ٦٤٧ ، والكتاب ٣ / ٢٠٧ ، والمقاصد النحوية ٤ / ٣٥٦.
(٢) أخرجه ابن كثير في تفسيره ٤ / ١٤٣.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
