الْأَعْداءَ) أي : فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله وأصل الشماتة الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك يقال : شمت فلان بفلان إذا سرّ بمكروه نزل به أي : لا تسرّ الأعداء بما تنال مني من مكروه فكيف فعل بأخيه ذلك؟ أجيب : بأنّ هارون إنما قال ذلك خوفا من أن يتوهم جهال بني إسرائيل أنّ موسى غضبان عليه كما هو غضبان على عبدة العجل أي : فلا تفعل بي ما تشمت به أعدائي فهم أعداؤك فإنّ القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة لا على الإكرام (وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي : الذين عبدوا العجل مع براءتي منهم بالمؤاخذة أو بنسبة التقصير ولما اعتذر له أخوه وذكر شماتة الأعداء.
(قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي) أي : ما حملني عليه مما صنعت بأخي (وَلِأَخِي) أي : اغفر له ما فرط في كفهم عن عبادة العجل إن كان وقع منه تفريط وضمه إلى نفسه في الاستغفار ترضية له ودفعا للشماتة عنه (وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ) أي : بمزيد الإنعام علينا (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فأنت أرحم بنا منا على أنفسنا.
قال الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ) أي : إلها يعبدونه من دون الله تعالى فهذا هو المفعول الثاني من مفعولي اتخذوا (سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ) أي : عقوبة (مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) وهي خروجهم من دارهم ، وللمفسرين في هذه الآية طريقان : الأوّل أنّ المراد بالذين اتخذوا العجل : الذين باشروا عبادة العجل.
فإن قيل : أولئك تاب الله عليهم بسبب أن قتلوا أنفسهم في معرض التوبة على ذلك الذنب وإذا تاب الله عليهم فكيف ينالهم الغضب والذلة؟ أجيب : بأنّ ذلك الغضب إنما حصل لهم في الدنيا وهو نفس القتل فكان ذلك القتل غضبا عليهم والمراد بالذلة هو استسلامهم أنفسهم للقتل واعترافهم على أنفسهم بالضلال والخطأ ، وقيل : خروجهم من ديارهم لأنّ ذل الغربة مثل مضروب.
فإن قيل : السين في قوله : سينالهم للاستقبال فكيف تكون للماضي؟ أجيب : بأنّ هذا إنما هو خبر عما أخبر الله تعالى به موسى عليهالسلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ثم أخبره الله تعالى في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة فكان هذا الكلام سابقا لوقته وهو القتل الذي أمرهم الله تعالى به بعد ذلك ، والطريق الثاني : أنّ المراد بالذين اتخذوا العجل الذين كانوا في زمن النبيّ صلىاللهعليهوسلم فوصف اليهود الذين كانوا في زمن النبيّ صلىاللهعليهوسلم باتخاذ العجل : وإن كان ما فعل ذلك إلا آباؤهم لأنهم رضوا بفعلهم ولأنّ العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما يفعل ذلك في المناقب يقولون للأمم : أفعلتم كذا وكذا؟ وإنما فعله من مضى من آبائهم. ثم حكم عليهم بأنهم سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا كما قال تعالى في صفتهم : (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) [البقرة ، ٦١] (وَكَذلِكَ) أي : كما جزيناهم (نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) أي : كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب الله في الآخرة والذلة في الدنيا ، قال مالك بن أنس : ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية لأنّ المبتدع مفتر في دين الله.
(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ) أي : عملوا الأعمال السيئة ويدخل في ذلك كل ذنب حتى الكفر (ثُمَّ تابُوا) أي : رجعوا عنها إلى الله تعالى (مِنْ بَعْدِها) أي : من بعد أعمالهم السيئة (وَآمَنُوا) أي : وصدقوا بالله تعالى بأنه لا إله غيره وأنه يقبل توبة التائب ويغفر الذنوب وإن عظمت (إِنَ
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
