عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأوّل والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال رب اجعلهم أمّتي قال : هي أمّة محمد يا موسى ، قال : يا رب إني أجد أمّة هم الحامدون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا : نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمّتي ، قال : هم أمّة محمد ، قال : يا رب إني أجد أمّة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم وكان الأوّلون يحرقون صدقاتهم بالنار وهم المستجابون والمستجاب لهم الشافعون والمشفعون لهم فاجعلهم أمّتي ، قال : هم أمّة محمد ، قال : يا رب إني أجد أمّة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله وإذا هبط واديا حمد الله الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء غرّ محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمّتي قال : هم أمّة محمد ، قال : يا رب إني أجد أمّة إذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمّتي ، قال : هم أمّة محمد ، قال : يا رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب اصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد أحدا إلا مرحوما فاجعلهم أمّتي ، قال : هم أمّة محمد ، قال : يا رب إني أجد أمّة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصطفون في صلاتهم كصفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم إلا من برىء من الحسنات مثل ما برىء الحجر من ورق الشجر فاجعلهم أمّتي ، قال : هم أمّة محمد ، فلما عجب موسى من الخير الذي أعطاه الله محمدا وأمته قال : يا ليتني من أصحاب محمد فأوحى الله تعالى إليه (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ) الخ فرضي موسى كل الرضا ، ومعنى (بِقُوَّةٍ) أي : بجدّ وعزيمة (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) أي : بأحسن ما فيها.
فإن قيل : ظاهر هذا يقتضي أنّ فيها ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز لهم الأخذ به وذلك متناقض وأجيب عن ذلك بأجوبة : الأوّل : أنّ تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاد والعفو والانتصار والصبر فمرهم أن يحملوا أنفسهم بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب كقوله تعالى : (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [الزمر ، ٥٥] وقوله تعالى : (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر ، ١٨] هذا ما أجاب به في الكشاف وتبعه البيضاوي والإمام الرازي لكن قال التفتازاني : هذا ينافي ما تقرر من أن المكتوب على بني إسرائيل هو القصاص قطعا والجواب بأنه مثال للحسن والأحسن لا لكونه في التوراة بعيد جدا.
فإن قيل : يلزم عليه أيضا منع الأخذ بالحسن وذلك يقدح في كونه حسنا. أجيب عن هذا : بأن الأخذ بالحسن الثاني على سبيل الندب فلا يقدح في منع الأخذ بالحسن ، الثاني : أن الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح وأحسن هؤلاء الثلاثة الواجب ، الثالث : أن المراد بالأحسن البالغ في الحسن مطلقا لا بالإضافة وهو المأمور به كقولهم : الصيف أحر من الشتاء أي : هو في حره أبلغ من الشتاء في برده فكذا هنا المأمور به أبلغ في الحسن من المنهي عنه في القبح (سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) أي : دار فرعون وقومه وهي مصر كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل ما نكل بهم ، وقيل : منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممرّكم عليها في أسفاركم ، وقيل : المراد دارهم في الآخرة وهي جهنم.
(سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ) المنصوبات في الآفاق والأنفس كغلق السموات والأرض وما بينهما (الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ) أي : أصرفها عنهم بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
