عمرو بفتح ياء إني والباقون بالسكون وقوله تعالى : (بِرِسالاتِي) أي : بأسفار التوراة ، قرأه نافع وابن كثير بغير ألف بعد اللام على التوحيد والباقون بالألف بعد اللام على الجمع (وَبِكَلامِي) أي : وبتكليمي إياك (فَخُذْ ما آتَيْتُكَ) أي : ما أعطيتك من الرسالة (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لأنعمي لأنّ موسى عليهالسلام لما منع الرؤية عدّد الله تعالى عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له : إن كنت منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها والاشتغال بشكرها إنما يكون بالقيام بلوازمها علما وعملا والمقصود تسلية موسى عليهالسلام عن منع الرؤية قال الإمام الرازي : وهذا أيضا أحد ما يدل على أنّ الرؤية جائزة على الله تعالى إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة.
وروي أنّ موسى عليهالسلام كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات وقالت له زوجته : أنا لم أرك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرّت ساجدة وقالت ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة ، قال : ذاك إن لم تتزوّجي بعدي لأنّ المرأة لآخر أزواجها (وَكَتَبْنا لَهُ) أي : لموسى (فِي الْأَلْواحِ) أي : ألواح التوراة ، قال البغوي : وفي الحديث : «كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنتا عشرة ذراعا» (١) وجاء في الحديث : «خلق الله آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده» (٢) والمراد بيده قدرته ، وقيل : كانت من زبرجدة خضراء ، وقيل : من ياقوتة حمراء ، وقيل : من صخرة صماء لينها الله تعالى لموسى فقطعها بيده ، وأمّا كيفية الكتابة فقال ابن جريج : كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور ، وقال وهب : سمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر وكان ذلك في أوّل يوم من ذي القعدة ، وقيل : إنّ موسى خرّ صعقا ـ يوم عرفة ـ وأعطي التوراة يوم النحر وكانت الألواح عشرة على طول موسى ، وقيل : كانت تسعة ، وقيل : سبعة ، وقال مقاتل : وكتبنا له في الألواح كنقش الخاتم ، وقال الربيع بن أنس : نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة ولم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى عليهمالسلام أي : لم يحفظها ويقرأها عن ظهر قلب إلا هؤلاء الأربعة ، قال الإمام الرازي : وليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح وعلى كيفية تلك الكتابة فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قويّ وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه.
وأمّا قوله تعالى : (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) فلا شبهة أنه ليس على العموم بل مما يحتاج إليه موسى عليهالسلام وقومه من أمر الدين وقوله تعالى : (مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً) أي : تبيينا (لِكُلِّ شَيْءٍ) بدل من الجار والمجرور قبله أي : (كتبنا) كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام وقوله تعالى : (فَخُذْها) على إضمار القول عطفا على كتبنا أو بدلا من قوله : (فَخُذْ ما آتَيْتُكَ) [الأعراف ، ١٤٤] و (الهاء) للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء أو الرسالة وعن كعب الأحبار أنّ موسى عليهالسلام نظر في التوراة فقال : إني أجد أمّة هي خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون
__________________
(١) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي.
(٢) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣ / ١٤٢ ، والطبري في تفسيره ٩ / ٧٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
