ثابت لهم غاية الندم في الصباح وغيره.
وقوله تعالى : (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) قرأه عاصم وحمزة والكسائي بالرفع على أنه كلام مبتدأ ويؤيده قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر مرفوعا بغير واو على أنه جواب قائل يقول : فماذا يقول المؤمنون حينئذ وقرأ بالنصب أبو عمرو عطفا على يأتي باعتبار المعنى وكأنه قال : عسى الله أن يأتي بالفتح ، ويقول الذين آمنوا (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) أي : غاية اجتهادهم فيها (إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) في الدين أي : يقوله المؤمنون بعضهم لبعض تعجبا من حال المنافقين وتبجحا بما منّ الله تعالى عليهم من الإخلاص ، أو يقولون لليهود : فإنّ المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله : (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) [الحشر آية : ١١] (حَبِطَتْ) أي : بطلت (أَعْمالُهُمْ) أي : الصالحة (فَأَصْبَحُوا) أي : فصاروا (خاسِرِينَ) الدنيا بالفضيحة والآخرة بالعقاب.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي : أقروا بالإيمان (مَنْ يَرْتَدِدْ) أي : يرجع (مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) إلى الكفر وهذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها في القرآن قبل وقوعها وكان أهل الردّة إحدى عشرة فرقة ثلاثة في عهد رسول الله صلىاللهعليهوسلم.
الأولى : بنو مدلج وكان رئيسهم ذو الحمار بالحاء المهملة ، قال التفتازاني : كان له حمار يقول له : قف فيقف وسر فيسير وكانت النساء أي : نساء أصحابه يتعطرون بروث حماره ، وقيل : يعقدون روثه بخمرهنّ فسمي ذو الخمار أيضا بالخاء المعجمة ، وذو هنا وفيما قبله بالواو على الحكاية وهو العنسي بفتح العين وسكون النون منسوب إلى عنس وهو يزيد بن مذحج بن أدد بن كعب العنسي ويلقب بالأسود كان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلادها وأخرج عمال رسول الله صلىاللهعليهوسلم فكتب رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وإلى سادات اليمن وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم والنهوض إلى حرب الأسود ، فقتله فيروز الديلمي على فراشه قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : وأتى الخبر رسول الله صلىاللهعليهوسلم من السماء الليلة التي قتل فيها فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك» قيل : ومن هو؟ قال : «فيروز» (١) فسرّ المسلمون فبشر النبيّ صلىاللهعليهوسلم أصحابه بهلاك الأسود وقبض رسول الله صلىاللهعليهوسلم من الغد وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول وكان ذلك أوّل فتح جاء إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
والفرقة الثانية : بنو حنيفة باليمامة ورئيسهم مسيلمة الكذاب وكان تنبأ في حياة رسول الله صلىاللهعليهوسلم في آخر سنة عشر وزعم أنه اشترك مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم في النبوّة وكتب إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله : أمّا بعد فإنّ الأرض نصفها لي ونصفها لك ، وبعثه إليه مع رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لو لا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» ثم أجاب من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب : «أمّا بعد فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» (٢) ومرض رسول الله صلىاللهعليهوسلم وتوفي فبعث أبو بكر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد في
__________________
(١) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال ٣٧٤٧٢.
(٢) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ١٦٥ ، والبيهقي في السنن الكبرى ٩ / ٢١١ ، والحاكم في المستدرك ٢ / ١٤٢ ، ٣ / ٥٢ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٥ / ٣١٥.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
