أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم وسيأتي الكلام في سورة الأحزاب أنّ هذه الآية كانت فيها.
(وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ) أي : إضلاله أو فضيحته (فَلَنْ تَمْلِكَ) أي : لن تستطيع (لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً) في دفعها إذا لم تملك أنت ، وأنت أقرب الخلق إلى الله تعالى فمن يملك (أُولئِكَ) أي : البعداء من الهدى (الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) أي : من الكفر ولو أراده لكان وهذا كما ترى نصّ على فساد قول المعتزلة بأنه أراد ذلك (لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ) أي : ذلّ بالفضيحة والجزية والخوف من المؤمنين (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) وهو الخلود في النار والضمير للذين هادوا إن استأنفت بقوله تعالى : (وَمِنَ الَّذِينَ) وإلا فللفريقين. وقوله تعالى :
(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) كرره للتأكيد (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) وهو كل ما لا يحل كسبه وهو من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة كما قال الله تعالى : (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا) [البقرة ، ٢٧٦] والربا باب منه وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام ، وعن الحسن رحمهالله تعالى : كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه فأراه إياها وتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه فيأكل الرشوة ويسمع الكذب وعنه صلىاللهعليهوسلم : «كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به» (١) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بضم الحاء والباقون بالسكون.
(فَإِنْ جاؤُكَ) أي : لتحكم فيهم (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) هذا تخيير لرسول الله صلىاللهعليهوسلم واختلفوا هل نسخ هذا التخيير أم لا؟ فقال أكثر أهل العلم : هو محكم ثابت وليس في سورة المائدة منسوخ ، وحكّام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب إن شاؤوا حكموا وإن شاؤوا لم يحكموا بحكم الإسلام وهو قول النخعيّ والشعبيّ وعطاء وقتادة وقال قوم : يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بينهم والآية منسوخة نسخها قوله تعالى : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ) [المائدة ، ٤٩] وهو قول مجاهد وعكرمة ومرويّ ذلك أيضا عن ابن عباس وقال : لم ينسخ من المائدة إلا آيتان قوله تعالى : (لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ) [المائدة ، ٢] نسخها قوله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة ، ٥] وقوله تعالى : (فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) [المائدة ، ٤٢] نسخها قوله تعالى : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ) [المائدة ، ٤٩] ومذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه : أنّ الذمّيين وإن اختلفت ملتهما كيهوديّ ونصرانيّ يجب الحكم بينهما عند الترافع ، وكذا الذمي مع المعاهد بخلاف المعاهدين فإنّ الحكم لا يجب بينهما ؛ لأنهم لم يلتزموا بأحكامنا ولا التزمنا دفع بعضهم عن بعض فيحمل التخيير على هذا ، والآية الأخرى على أهل الذمّة ويعلم من ذلك أنّ الحكم بين الحربيين لا يجب بطريق الأولى ولو ترافع إلينا ذميان في شرب خمر لم نحدّهما وإن رضيا بحكمنا لأنهما لا يعتقدان تحريمه ولو ترافع إلينا مسلم وذمي وجب الحكم بينهما إجماعا (وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً) بأن يعادوك لإعراضك عنهم فإنّ الله تعالى يعصمك من الناس (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) أي : بالعدل الذي أمر الله تعالى به (إِنَّ اللهَ يُحِبُ) أي : يثيب (الْمُقْسِطِينَ) أي : العادلين في الحكم.
وقوله تعالى : (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ) استفهام تعجيب من
__________________
(١) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥ / ٢٢٦ ، والطبراني في المعجم الكبير ١٩ / ١٣٦ ، والقرطبي في تفسيره ٦ / ١٨٣ ، والطبري في تفسيره ٦ / ١٥٦.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
