عنك تكبرا وإفراطا في البغضاء (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) أي : الذي في التوراة كآية الرجم (مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) أي : التي وضعها الله عليها أي : يبدلونه (يَقُولُونَ) أي : الذين يحرّفونه لمن يرسلونهم للنبيّ صلىاللهعليهوسلم (إِنْ أُوتِيتُمْ هذا) أي : المحرّف أي : أفتاكم به محمد صلىاللهعليهوسلم (فَخُذُوهُ) أي : فاقبلوه منه واعلموا أنه الحق واعملوا به (وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ) أي : بأن أفتاكم بخلافه (فَاحْذَرُوا) أن تقبلوه منه فإنه الباطل والضلال.
روي أنّ شريفا في خيبر زنا بشريفة وكانا محصنين وحدّهما الرجم في التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما وقالوا : إنّ هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكن الضرب فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم عنه وقالوا : إن أمركم بالجلد والتحميم أي : تسويد الوجه من الحمّة بالضم والتشديد وهي السواد فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا ، فأتوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقالوا : يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدّهما في كتابك؟ فقال : «هل ترضون بقضائي؟» فقالوا : نعم ، فنزل جبريل عليهالسلام بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه فقال لهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟» قالوا : نعم فقال : هو أي رجل فيكم؟ فقالوا : هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى بن عمران في التوراة ، قال : «فأرسلوا إليه» ففعلوا فأتاهم فقال له النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «أنت ابن صوريا؟» قال : نعم قال : «أعلم اليهود» قال : كذلك يزعمون قال : «تجعلونه بيني وبينكم؟» قالوا : نعم فقال له رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟» قال : نعم فوثب عليه سفلة اليهود فقال : خفت إن كذبت أن ينزل علينا العذاب ، ثم سأل رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبيّ الأميّ العربيّ الذي بشر به المرسلون فأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده وقال : «اللهمّ إني أول من أحيا أمرك إذا ما أتوه فأنزل الله عزوجل (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ)(١) الآية.
وروي أنّ اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فذكروا له أنّ رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» قالوا : نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام : كذبتم إنّ فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهما يده على آية الرجم وقرأ ما بعدها فقال له عبد الله : ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرّجم قالوا : صدقت يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلىاللهعليهوسلم فرجما قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما : فرأيت الرجل يقي بيده عن المرأة الحجارة» (٢).
فائدة : كانت آية الرجم في القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها ، روى البيهقي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم أنه قال في خطبته : إن الله بعث محمدا وأنزل عليه كتابا وكان فيما
__________________
(١) أخرجه مسلم في الحدود حديث ١٧٠٠ ، وأبو داود في الحدود حديث ٤٤٤٨ ، وابن ماجه في الحدود حديث ٢٥٥٨.
(٢) أخرجه البخاري في المناقب حديث ٣٦٣٥ ، ومسلم في الحدود حديث ١٦٩٩ ، وأبو داود في الحدود حديث ٤٤٤٦.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
