(يَوْمَئِذٍ) أي : المجيء وهو يوم القيامة (يَوَدُّ) أي : يتمنى (الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ) أي : أن (تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) كالموتى أو لم يبعثوا أو لم يخلقوا وكانوا هم والأرض سواء ، وقال الكلبيّ يقول الله عزوجل للبهائم والوحوش والطيور والسباع : كونوا ترابا فتسوّى بهنّ الأرض فعند ذلك يتمنى الكافر أنه لو كان ترابا كما قال تعالى : (وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) [النبأ ، ٤٠] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم : تسوّى بضم التاء للبناء للمفعول ، والباقون بالفتح بالبناء للفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل ، وشدّد السين نافع وابن عامر ، وخففها الباقون.
(وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً) أي : مما عملوه ؛ لأنّ جوارحهم تشهد عليهم ، وقال الحسن : إنها مواطن ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسا ، وفي موطن يتكلمون ويكذبون ويقولون : ما كنا مشركين وما كنا نعمل من سوء ، وفي موطن يسألون الرجعة ، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم وهو قوله تعالى : (وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً) وقال سعيد بن جبير : قال رجل لابن عباس : إني أجد في القرآن شيئا يختلف عليّ فقال : هات ما اختلف عليك قال : قال الله تعالى : (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) [المؤمنون ، ١٠١] وقال تعالى : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) [الطور ، ٢٥] وقال تعالى : (وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً) وقال : (وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام ، ٢٣] فقد كتموا ، وقال تعالى : (أَمِ السَّماءُ بَناها) إلى قوله : (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) [النازعات ، ٣٠] فذلك خلق السماء قبل خلق الأرض ، ثم قال : (أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) إلى (طائِعِينَ) [فصلت ، ١١] فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء وقال تعالى : (وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) [الفتح ، ١٤] وقال : (وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) [الفتح ، ١٩] فكأنه كان ثم مضى ، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون في النفخة الأولى قال : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) [الزمر ، ٦٨] (فَلا أَنْسابَ) [المؤمنون : ١٠١] عند ذلك (وَلا يَتَساءَلُونَ) [المؤمنون : ١٠١] ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون في النفخة الآخرة (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) [الصافات : ٢٧]. وأمّا قوله : والله ربنا ما كنا مشركين ، ولا يكتمون الله حديثا ، فإنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فقال المشركون : تعالوا نقل : لم نك مشركين ، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وأرجلهم فعند ذلك عرفوا أنّ الله لا يكتم حديثا ، وعنده يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ، وخلق الأرض في يومين ، ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهنّ في يومين آخرين ، ثم دحا الأرض في يومين ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين ، فقال : خلق الأرض في يومين فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السموات في يومين ، وكان الله غفورا رحيما أي : لم يزل كذلك ، فلا يختلف عليك القرآن فإنّ كلا من عند الله.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) أي : لا تغشوها ولا تقوموا إليها واجتنبوها (وَأَنْتُمْ سُكارى) من الشراب (حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) بأن تصحوا منه كقوله تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى) [الإسراء ، ٣٢] (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ) [الأنعام ، ١٥١].
روي أنّ عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم حين كان الخمر مباحا فأكلوا وشربوا فلما سكروا جاء وقت صلاة المغرب فقدّموا أحدهم يصلي بهم
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
