ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق إليهم استقلالا ، قال الله تعالى معلّما : أنّ الكل بخلقه تأكيدا لما مضى من ذلك ومعيدا ذكر الاسم الأعظم : (وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا) بعد اختلافهم بالإيمان والكفر (وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) فيوفق من يشاء فضلا منه ، ويخذل من يشاء عدلا منه ، والآية دليل على أنّ الأنبياء متفاوتة الأقدام ، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض ، ولكن بنصّ لأنّ اعتبار الظنّ فيما يتعلق بالعمل لا بالاعتقاد ، وأن الحوادث بيد الله لقوله تعالى : (يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) تابعة لمشيئته تعالى خيرا كان أو شرّا إيمانا أو كفرا.
ولما كان الاختلاف على الأنبياء سببا للجهاد ، الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعا إلى أوّل السورة من هنا إلى آخرها ، وأتى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدّم الحثّ عليه من أمر النفقة.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ) أي : مما أوجبت عليكم إنفاقه من الزكاة ، قاله السديّ وقال غيره أراد به صدقة التطوّع والنفقة في الخير ، أي : فلا تبخلوا بالإنفاق فإنه لا داء أدوأ من البخل. قال تعالى : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر ، ٩] [التغابن ، ١٦] وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب يمنع احتجاج المعتزلة بها ، في أنّ الرزق لا يكون إلا حلالا ، لكونه مأمورا به.
وأتبعه بما يرغب ويرهب من حلول يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار فقال : (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) موصوف بأنه (لا بَيْعٌ فِيهِ) أي : فداء (وَلا خُلَّةٌ) أي : صداقة تنفع (وَلا شَفاعَةٌ) بغير إذنه والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال ولا يراعي الصداقة من مساو ، ولا الشفاعة من كبير ، لعدم إرادة الله تعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنصب في بيع وخلة وشفاعة ، ولا تنوين على الأصل ، والباقون بالرفع والتنوين على أنها في تقدير جواب هل فيه بيع أو خلة أو شفاعة.
ولما حثّ سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذمّ الكافرين ، بكونهم لم يتحلوا بهذه الصفة ، لتخليصهم من الإيمان وبعدهم منه وتكذيبهم بذلك اليوم ، فهم لا ينفقون لخوفه وإرهابه فقال بدل ولا نصرة لكافر (وَالْكافِرُونَ) أي : المعلوم كفرهم في ذلك اليوم (هُمُ) المختصون بأنهم (الظَّالِمُونَ) أي : الكاملون في الظلم لا غيرهم.
وقوله سبحانه : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غير (الْحَيُ) أي : الدائم البقاء (الْقَيُّومُ) أي : الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظهم (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ) وهي ما يتقدّم النوم من الفتور ، الذي يسمى النعاس ، قال ابن الرقاع العاملي (١) :
|
وسنان أقصده (أي : أصابه) النعاس فرنقت |
|
في عينه سنة وليس بنائم |
أي : لا يأخذه نعاس (وَلا نَوْمٌ) وهو حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة ، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس.
__________________
(١) البيت من الكامل ، وهو لعدي بن الرقاع في ديوانه ص ١٠٠ ، ولسان العرب (نعس) ، (رنق) ، (وسن) ، وتاج العروس (نعس) ، (رنق) ، (رسن) ، وتهذيب اللغة ٢ / ١٠٥ ، ١٣ / ٧٨ ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٨٦٣.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
