(وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ) وهو محمد صلىاللهعليهوسلم (دَرَجاتٍ) على غيره بعموم الدعوة وختم النبوّة به ، والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة وبنسخ جميع الشرائع ، وبكونه رحمة للعالمين وبتفضيل أمته على سائر الأمم ، وبالمعجزات المتكاثرة المستمرّة ، وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السموات والأرض عن الإتيان بسورة من مثله ، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر ، والفضائل العلمية والعملية الغالبة للحصر ، ولو لم يؤت إلا القرآن وحده كفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء ؛ لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات وبانشقاق القمر بإشارته ، وحنين الجذع بمفارقته ، وتسليم الحجر عليه ، وكلام البهائم والشهادة برسالته ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وروي عنه صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «ما من نبيّ من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١).
وروي عنه أنه قال : «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي : نصرت بالرعب من مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبيّ يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامّة» (٢).
وروي عنه أنه قال : «فضلت على الأنبياء بست : أوتيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون» (٣).
(وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ) من إحياء الموتى وغيره (وَأَيَّدْناهُ) أي : قويناه (بِرُوحِ الْقُدُسِ) وهو جبريل يسير معه حيث سار ، وخص عيسى صلىاللهعليهوسلم باسمه لإفراط اليهود في تحقيره ، والنصارى في تعظيمه حيث قالوا : هو ابن الله وأبهم محمدا صلىاللهعليهوسلم في قوله تعالى : (بَعْضَهُمْ) حيث لم يقل ورفع محمدا صلىاللهعليهوسلم لما في الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه ، والمتميز الذي لا يلتبس ، ويقال للرجل : من فعل هذا؟ فيقول أحدكم أو بعضكم ، يراد به الذي تعورف واشتهر ، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيرا والنابغة ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه ، ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي لم يفخم أمره.
(وَلَوْ شاءَ اللهُ) أي : الذي له جميع الأمر ، هدى الناس جميعا باتفاقهم على دين واحد (مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي : بعد الرسل أي : ما اقتتلت أممهم (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) أي : المعجزات الواضحات على أيدي رسلهم ؛ لاختلافهم في الدين وتضليل بعضهم بعضا (وَلكِنِ اخْتَلَفُوا) لمشيئته تعالى ذلك (فَمِنْهُمْ) أي : فتسبب عن اختلافهم إن كان منهم (مَنْ آمَنَ) أي : ثبت على إيمانه (وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) كالنصارى بعد المسيح.
__________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن حديث ٤٩٨١ ، ومسلم في الإيمان حديث ١٥٢.
(٢) أخرجه البخاري في التيمم حديث ٣٣٥ ، ومسلم في المساجد حديث ٥٢١ ، والنسائي في الغسل حديث ٤٣٢.
(٣) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٥٢٣ ، والترمذي في السير حديث ١٥٥٣.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
