من ملوك الكنعانيين بالشام في زمن بني إسرائيل ، جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد (وَجُنُودِهِ) على ما هم فيه من القوّة والكثرة التجؤا إلى الله بالدعاء كما نبه على ذلك بقوله : (قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ) أي : أصبب (عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا) بتقوية قلوبنا على الجهاد (وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) وفي الدعاء ترتيب بليغ إذ سألوا أولا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر ، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه ، ثم النصر على العدوّ المترتب عليهما غالبا.
(فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ) أي : بإرادته (وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ) قال أهل التفسير : عبر النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له ، وكان داود أصغرهم ، فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز إليّ أو أبرز من يقاتلني ، فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم ، فشق ذلك على طالوت فنادى في عسكره : من قتل جالوت زوّجته ابنتي وناصفته ملكي ، فهابوا لقاء جالوت فلم يجبه أحد فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا في ذلك ، فأوحى الله تعالى إليه أن في ولد إيشا من يقتل الله تعالى به جالوت ، وكان داود أصغرهم يرعى الغنم ، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء فقال له طالوت : هل لك أن تقتل جالوت وأزوّجك ابنتي وأناصفك ملكي؟ قال : نعم قال : آنست من نفسك أن تقوى به قال : نعم أنا أرعى فيجيء الأسد فيأخذ شاة فأقوم إليه وأفتح لحييه عنها وأشقهما إلى قفاه ، فمرّ داود في الطريق فكلمه ثلاثة أحجار ، وقالت له : إنك تقتل جالوت بنا ، فحملها في مخلاته فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة وكان من أشدّ الناس وأقواهم ، كان يهزم الجيوش وحده ، وكان له بيضة فيها ثلثمائة رطل حديد ، انتدب له داود وأخذ مخلاته وتقلد بها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت فلما نظر إلى داود ألقى في قلبه الرعب فقال له : أنت تبرز لي قال : نعم ، وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام ، فقال : أتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال : نعم أنت شر من الكلب قال : لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء ، قال داود : أو يقسم الله لحمك ، فقال داود : باسم إله إبراهيم وأخرج حجرا ثم أخرج الآخر وقال : باسم إله إسحاق ، ووضعه في مقلاعه ثم أخرج الثالث وقال : بسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصارت كلها حجرا واحدا ، ودوّر المقلاع ورمى به ، فسخر الله له الريح حتى أصاب أنف البيضة فخالط دماغه وخرج من قفاه ، وقتل من ورائه ثلاثين رجلا ، وهزم الله تعالى الجيش وخرّ جالوت قتيلا ، فأخذه داود يجرّه حتى ألقاه بين يدي طالوت ، وفرح المسلمون فرحا شديدا وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ، فجاء داود إلى طالوت وقال : أنجزني ما وعدتني فزوّجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه ، وأكثروا ذكره فحسده طالوت ، وأراد قتله فأخبر بذلك فهرب ، فسلط عليه العيون وطلبه أشدّ الطلب ، فلم يقدر عليه.
ثم إنّ طالوت ركب يوما فوجد داود يمشي في البرية فقال : أقتله فركض على أثره فاشتدّ داود وكان إذا فزع لم يدرك فدخل غارا ، فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسجت عليه بيتا فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت فقال : لو كان دخل ههنا لخرق بناء العنكبوت ، فتركه ومضى وانطلق داود إلى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه إلى أن قتل طالوت ، وكان ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة ، وأتى بنو إسرائيل بداود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم.
قال الكلبي والضحاك : ملك داود بعد قتل طالوت سبعين سنة ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى : (وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) أي : النبوّة بعد موت
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
