(فَشَرِبُوا مِنْهُ) لما وافوه بكثرة وقوله تعالى : (إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) أي : فاقتصر على الغرفة ، نصب على الاستثناء.
روي أن من اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالما ، وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وأروته ، والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودت شفاههم ، وغلبهم العطش ، فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدوّ ، واختلفوا في عدد الذين لم يشربوا قال البغوي : الصحيح أنهم ثلثمائة وبضعة عشر أي : عدد أهل بدر ، وقال السدّي : كانوا أربعة آلاف ويؤيد الأوّل ما روي عن البراء أنه قال : كنا أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم نتحدّث أن عدّة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت ، الذين جاوزوا معه النهر ، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر ، وثلثمائة. ويروى ثلثمائة وثلاثة عشر وفي هذا إيذان بأن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد التائبين من أصحاب طالوت ، الذين كان بعددهم أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم يوم بدر وهم ثلثمائة وثلاثة عشر ، عدد المرسلين من كثرة عدد النبيين ولما كان قصص بني إسرائيل مثلا لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ، فابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها ، وفي إفراد اليد إيذان بأنّ الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين ، لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشرّ. (فَلَمَّا جاوَزَهُ) أي : النهر (هُوَ) أي : طالوت (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) أي : وهم الذين اقتصروا على الغرفة (قالُوا) أي : الذين شربوا (لا طاقَةَ) أي : لا قوّة (لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ) أي : بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه.
ولما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بهذا القول نبّه على أنه لا ينبغي أن يصدر ممن يظنّ أنّ أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام ، ولا ينقص بالجراءة والإقدام ، وأنه يلقى الله تعالى ، فيجازيه على عمله ، وأنّ النصر من الله لا بالقوّة والعدد فقال : (قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ) أي : يوقنون (أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ) بالبعث وهم الذين جاوزوه (كَمْ مِنْ فِئَةٍ) أي : جماعة ، وهي جمع لا واحد له من لفظه وجمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في النصب والخفض ، وكم يحتمل أن تكون خبرية بمعنى كثير ، ومن مبينة وأن تكون استفهامية ، ومن مؤكدة والأوّل أولى بقرينة المقام (قَلِيلَةٍ) كما كان في هذه الأمة في يوم بدر (غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ) أي : بإرادته وتيسيره ، ثم انظر إلى هذا الحال العجيب ؛ وهو أنه لما ندبهم انتدب جيش لا يحصون فاشترط عليهم الشاب الفارغ من بناء دار ، وبناء بامرأة ، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفا ، ثم امتحنوا بالنصر ، فلم يثبت منهم إلا ثلثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر من المتصفين بالشرط ، من الذين هم دون الدون من المنتدبين ، الذين هم دون الدون من السائلين في بعث الملك الخارجين معه كما قال القائل (١) :
|
ألم تعلم بأني صيرفي |
|
أحك الأصدقاء على محكي |
|
فمنهم بهرج لا خير فيه |
|
ومنهم من أجوزه بشك |
|
وأنت الخالص الذهب المصفى |
|
بتزكيتي ومثلي من يزكى |
ثم بين سبحانه وتعالى أنّ ملاك كل ذلك الصبر بقوله : (وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) بالنصر والمعونة فلا يخذل من كان معه.
(وَلَمَّا بَرَزُوا) أي : ظهروا وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة (لِجالُوتَ) اسم ملك
__________________
(١) الأبيات لم أجدها في المصادر والمراجع التي بين يدي.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
