والاستسلام للقضاء فإنّ الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفرّ ، فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى (إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) أي : عامّة فليذكر كل أحد ما له عليه من الفضل (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) كما ينبغي أمّا الكفار فلم يشكروا ، وأمّا المؤمنون فلم يبلغوا غاية شكره.
تنبيه : إنما كرّر الناس ، ولم يضمر ليكون أنصّ على العموم لئلا يدّعي مدع أنّ المراد بالناس الأوّل أهل زمان فيخص بالثاني أكثرهم.
(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ) لأقوالكم فيسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون (عَلِيمٌ) بأحوالكم فيعلم ما تضمرونه فيجازيكم.
(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ) الذي تفرد بالعظمة بإنفاق ماله في سبيل الله ومن استفهامية مرفوعة الموضع بالابتداء ، وذا خبره ، والذي : صفة ذا أو بدل ، وإقراض الله مثل لتقديم العمل الذي يطلب ثوابه ، فهو اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه ، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما وعد لهم من الثواب قرضا ؛ لأنهم يعملون لطلب ثوابه ، وأصل القرض في اللغة القطع ، سمي القرض به ؛ لأنه يقطع من ماله شيئا يعطيه ليرجع إليه مثله وقيل : في الآية اختصار ، معناه : من ذا الذي يقرض عباد الله المحتاجين من خلقه كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ) [الأحزاب ، ٥٧] أي : عباد الله كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إنّ الله يقول يوم القيامة : ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال : يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟» (١)(قَرْضاً حَسَناً) أي : جامعا لطيب النفس وإخلاص النية ، وقيل : لا يمنّ به ولا يؤذي. ولما كانت النفس مجبولة على الشح بما عندها إلا لفائدة رغّبها سبحانه وتعالى في ذلك بقوله : (فَيُضاعِفَهُ) أي : جزاءه (لَهُ) في الدنيا والآخرة ، وأوّل هذه المضاعفة أنّ الزائد ضعف ليس كسرا ، «كان صلىاللهعليهوسلم لا يقترض قرضا إلا وفى عليه زيادة وقال : خياركم أحسنكم قضاء» ، (٢) وقد أنبأ سبحانه وتعالى أن اقتراضه بما هو فوق ذلك ، لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله بقوله : (أَضْعافاً كَثِيرَةً) من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما سيأتي. روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية ، قال أبو الدحداح الأنصاري : «يا رسول الله إنّ الله ليريد منا القرض قال : نعم يا أبا الدحداح قال : أرني يدك يا رسول الله فناوله يده قال : فإني قد أقرضت ربي حائطي ، وحائطه فيه ستمائة نخلة وأمّ الدحداح فيه وعيالها فجاء أبو الدحداح فناداها : يا أمّ الدحداح قالت : لبيك قال : اخرجي فقد أقرضت ربي عزوجل» (٣).
وقرأ ابن عامر وعاصم فيضاعفه بنصب الفاء على جواب الاستفهام حملا على المعنى ، فإنّ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا في معنى أيقرض الله أحد ، والباقون برفعها ، وأسقط الألف وشدّد العين ابن كثير وابن عامر ، والباقون بإثبات الألف وتخفيف العين ، ولما رغّب سبحانه وتعالى في إقراضه ، أتبعه جملة خالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال : (وَاللهُ يَقْبِضُ) أي :
__________________
(١) أخرجه مسلم في البر حديث ٢٥٦٩.
(٢) أخرجه البخاري في الاستقراض حديث ٢٣٩٣ ، ومسلم في المساقاة حديث ١٦٠١ ، والترمذي في البيوع حديث ١٣١٧ ، والنسائي في البيوع حديث ٤٦١٨.
(٣) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٣ / ١١٤ ، ٦ / ٣٢١.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
