الممسوسة وهذه أعم منها ، فتشمل الممسوسة أيضا.
(كَذلِكَ) أي : كما بيّن لكم ما سبق من أحكام الطلاق والعدد (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ) وعد سبحانه وتعالى أنه سيبيّن لعباده من الدلائل والأحكام ما يحتاجون إليه معاشا ومعادا ، (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي : تتدبرون فتستعملون العقل فيها.
وقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ) استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده ، لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب التواريخ ، وقد يخاطب به من لم ير ولم يسمع ، وهذا هنا أولى ، فإنه صار مثلا في التعجيب ، أي : ينته علمك (إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ) أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفا ، وقوله تعالى : (حَذَرَ الْمَوْتِ) مفعول له ، هم قوم من بني إسرائيل كانوا في قرية يقال لها : داوردان ، جهة واسط وقع بها الطاعون ، فخرجت ، طائفة منها وبقيت طائفة فهلك أكثر من بقي في القرية ، وسلم الذين خرجوا ، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين ، فقال الذين بقوا : أصحابنا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا لبقينا ، ولئن وقع الطاعون ثانيا لنخرجنّ إلى أرض لا وباء بها ، فوقع الطاعون من قابل فهرب عنها أهلها ، وخرجوا حتى نزلوا واديا أفيح ، فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي ، وآخر من أعلاه أن موتوا فماتوا جميعا ، ثم أحياهم الله تعالى كما قال تعالى : (فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا) أي : فماتوا (ثُمَّ أَحْياهُمْ) ليعتبروا ويتيقنوا أن لا مفر من قضاء الله وقدره. وقيل : قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد ، ففروا حذر الموت ، فأماتهم الله ثمانية أيام أو أكثر ، ثم أحياهم بدعاء نبيهم حزقيل ـ بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي ـ ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى ، وكان يقال له ابن العجوز ؛ لأنّ أمّه كانت عجوزا ، فسألت الله الولد بعدما كبرت وعقمت ، فوهبه الله تعالى لها.
قال الحسن ومقاتل : هو ذو الكفل ، وسمي حزقيل ذا الكفل ؛ لأنه كفل سبعين نبيا وأنجاهم من القتل ، قال : اذهبوا فإني إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا معي جميعا ، فلما جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين ، قال لهم : ذهبوا وما أدري أين هم ، ومنع الله حزقيل من اليهود ، فلما مر حزقيل على تلك الموتى وقف عليهم ، فجعل يتفكر فيهم فبكى ، وقال : يا رب كنت في قوم يحمدونك ، ويسبحونك ، ويقدّمونك ، ويكبرونك ، ويهللونك ، فبقيت وحدي لا قوم لي ، فأوحى الله تعالى إليه أن ناد : أيتها العظام إنّ الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمعت العظام من أعلى الوادي وأدناه ، حتى التزق بعضها ببعض ، كل عظم جسد التزق بجسده ، فصارت أجسادا من عظام لا لحم ولا دم ، ثم أوحى الله تعالى إليه : أن ناد أيتها الأجسام إنّ الله يأمرك أن تكسي لحما ، فاكتست لحما ، ثم أوحى الله إليه أن ناد : أيتها الأجساد إنّ الله يأمرك أن تقومي فبعثوا أحياء ورجعوا إلى بلادهم.
وقال مجاهد : إنهم قالوا حين أحيوا : سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت ، فرجعوا إلى قومهم وعاشوا دهرا عليهم أثر الموت ، لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن حتى ماتوا لآجالهم ، التي كتبت لهم ، ولو جاءت آجالهم ما بعثوا ، واستمرّ ذلك في أسباطهم ، قال ابن عباس : وأثر ذلك ليوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود.
وفائدة هذه القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة ، وحثهم على التوكل
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
