قال : «من يرد الله به خيرا يصب منه» (١) ومنها أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا غم ولا حزن ولا أذى ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه» (٢) ومنها : أن امرأة جاءت إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم وبها لمم ، فقالت : يا رسول الله ادع الله تعالى أن يشفيني فقال : «إن شئت دعوت الله أن يشفيك ، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك قالت : بل أصبر ولا حساب عليّ» (٣). ومنها : «أنه صلىاللهعليهوسلم سئل عن أشدّ الناس بلاء قال : «الأنبياء والأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلبا ابتلى على قدر ذلك ، وإن كان في دينه رقة هوّن عليه ، فما زال كذلك حتى يمشي على الأرض ما له ذنب» (٤) ومنها : أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإنّ الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط» (٥). ومنها : أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة» (٦). ومنها : أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «مثل المؤمن كمثل الزرع لا يزال الريح يثنيه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد» (٧). ومنها : أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «عجب للمؤمن إن أصابه خير حمد الله وشكر ، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر ، فالمؤمن يؤجر في كل أمره» (٨).
(إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ) هما على جبلين بمكة في طرفي المسعى ، قال القرطبيّ : وذكر الصفا ؛ لأن آدم وقف عليه ، وأنث المروة ؛ لأنّ حوّاء وقفت عليها (مِنْ شَعائِرِ اللهِ) أي : أعلام دينه جمع شعيرة وهي العلامة أي : من أعلام مناسكه ومتعبداته (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ) أي : تلبس بالحج أو العمرة ، والحج لغة : القصد. والاعتمار : الزيارة ، فغلبا شرعا على قصد البيت وزيارته على الوجهين المعروفين (فَلا جُناحَ) أي : لا إثم (عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ) فيه إدغام التاء في الأصل في الطاء (بِهِما) أي : بأن يسعى بينهما سبعا.
فإن قيل : كيف أنهما من شعائر الله ، ثم قيل لا جناح عليه أن يطوف بهما؟ أجيب : بأنه كان على الصفا آساف ، وعلى المروة نائلة وهما صنمان ، يروى أنهما كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين ، فلما طالت المدّة عبدا من دون الله ، فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسخوهما ، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية ، فأذن الله تعالى فيه وأخبر أنه من شعائر الله ، والإجماع على أنّ السعي بين الصفا والمروة مشروع في الحج والعمرة ، وإنما الخلاف في وجوبه ، فعن أحمد أنه سنة وبه قال أنس وابن عباس لقوله تعالى : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ) فإنه يفهم منه التخيير.
قال البيضاويّ وهو ضعيف ؛ لأنّ نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب فلا
__________________
(١) أخرجه البخاري في المرضى حديث ٥٦٤٥.
(٢) أخرجه البخاري في المرضى حديث ٥٦٤٢.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٢ / ٤٤١.
(٤) أخرجه الترمذي في الزهد حديث ٢٣٩٨ ، وابن ماجه في الفتن حديث ٤٠٢٣.
(٥) أخرجه ابن ماجه في الفتن حديث ٤٠٣١.
(٦) أخرجه الترمذي في الزهد حديث ٢٣٩٩.
(٧) أخرجه مسلم في القيامة حديث ٢٨٠٩ ، والترمذي في الأمثال حديث ٢٨٦٦.
(٨) أخرجه أحمد في المسند ١ / ١٨٢ ، ٣ / ١٨٤ ، والبغوي في شرح السنة ٥ / ٤٤٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
