وإن مشيت إليّ هرولت إليك ، وإن سألتني أعطيتك ، وإن لم تسألني غضبت عليك» (١). وفي رواية أنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «يقول الله عزوجل : أنا مع عبدي ما ذكرني وتحرّكت بي شفتاه» (٢). وفي رواية : جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله أيّ الأعمال أفضل؟ قال : «أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله» (٣). وقرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بالسكون وهم على مراتبهم في المدّ (وَاشْكُرُوا لِي) نعمتي بالطاعة (وَلا تَكْفُرُونِ) بجحد النعم وعصيان الأمر ، فإن من أطاع الله فقد شكره ، ومن عصاه فقد كفره.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ) على الطاعة والبلاء وعلى المعاصي وحظوظ النفس (وَالصَّلاةِ) خصها بالذكر ؛ لأنها أم العبادات لاشتمالها على فعل القلب وغيره ومناجاة رب العالمين (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) بالنصر وإجابة الدعوة.
(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ) هم (أَمْواتٌ بَلْ) هم (أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) أي : لا تعلمون كيف حالهم في حياتهم.
قال البيضاويّ : وهو تنبيه على أنّ حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات ، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي اه.
وهذا ما عليه أكثر المفسرين ، قال ابن عادل : ويحتمل أنّ حياتهم بالجسد وإن لم تشاهد وأيد بأن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات بالاتفاق ، فلو لم تكن حياة الشهيد بالجسد لاستوى هو وغيره ولم تكن له مزية اه.
وقد يرد بأنّ الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومآكلها وغيرهم من المؤمنين منعمون بما دون ذلك. وفي الحديث : «أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش» (٤) وعن الحسن : أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم ، فيصل إليهم الروح أي : الاستراحة أي : التلذذ والتنعم والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدّوا وعشيا ، فيصل إليهم الوجع والغم. وعلى هذا فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله ومزيد السرور والكرامة والأرواح جواهر قائمة بأنفسها تبقى بعد الموت دراكة كما عليه جمهور الصحابة والتابعين ونطقت به الآيات والسنن.
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أي : ولنختبرنكم يا أمّة محمد صلىاللهعليهوسلم واللام لجواب القسم تقديره والله لنبلونكم والابتلاء إظهار المطيع من العاصي لا ليعلم شيئا لم يكن عالما به (بِشَيْءٍ) أي : بقليل (مِنَ الْخَوْفِ) أي : خوف العدوّ (وَالْجُوعِ) أي : القحط وإنما قلله بالنسبة لما وقاهم عنه فيخفف عنهم ويريهم أنّ رحمته لا تفارقهم أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة وإنما أخبرهم قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ) بالخسران والهلاك (وَالْأَنْفُسِ) بالقتل والموت وقيل : بالمرض والشيب (وَالثَّمَراتِ) بالجوائح.
__________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف حديث ٢٠٥٧٥.
(٢) أخرجه البخاري في التوحيد ، تعليقا ، وابن ماجه في الأدب حديث ٣٧٩٢.
(٣) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث ٣٣٧٥ ، وابن ماجه في الأدب حديث ٣٧٩٣.
(٤) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٨٨٧ ، وأبو داود في الجهاد حديث ٢٥٢٠ ، والترمذي في التفسير حديث ٣٠١١ ، وابن ماجه في الجهاد حديث ٢٨٠١.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
