(لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) أي : يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) أي : يزكيكم ويشهد بعدالتكم علة للجعل أي : لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد ولا ظلم بل أوضح السبل وأرسل الرسل ، فبلغوا ونصحوا ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات والإعراض عن الآيات ، فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين قبلكم وبعدكم.
روي أن الله تعالى يجمع الأوّلين والآخرين في صعيد واحد ، ثم يقول لكفار الأمم : ألم يأتكم نذير ، فينكرون ويقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فيطالب الله تعالى الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم ، فيؤتى بأمة محمد صلىاللهعليهوسلم ، فيشهدون فتقول الأمم من أين علموا أنهم قد بلغوا ، وإنما أتوا بعدنا فتسأل هذه الأمة ، فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق ، على لسان نبيه الصادق ، فيؤتى بمحمد صلىاللهعليهوسلم فيسأل عن حال أمته ، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله تعالى : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء ، ٤١].
فإن قيل : هلا قيل لكم شهيدا إذ شهادته لهم لا عليهم أجيب : بأنّ الشهيد لما كان كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء ومنه قوله تعالى : (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة ، ٦].
فإن قيل : لم أخرت صلة الشهادة أوّلا وقدّمت آخرا أجيب : بأنّ الغرض في الأوّل إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم (وَما جَعَلْنَا) أي : صيرنا لك (الْقِبْلَةَ) الآن وقوله تعالى : (الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها) ليس بصفة للقبلة إنما هو ثاني مفعولي جعل أي : وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها أولا وهي الكعبة وكان صلىاللهعليهوسلم يصلي إليها ، فلما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس تألفا لليهود فصلى إليها ستة أو سبعة عشر شهرا ثم حوّل إلى الكعبة (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) فيصدّقه (مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ) أي : يرجع إلى الكفر شكا في الدين وظنا أنّ النبيّ في حيرة من أمره ، وفي الحديث : «أنّ القبلة لما حوّلت ارتدّ قوم من المسلمين إلى اليهودية وقالوا : رجع محمد إلى دين آبائه» (١).
فإن قيل : كيف قال الله تعالى لنعلم وهو عالم بالأشياء كلها أجيب : بأنه أراد به علم ظهور وهو العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب ، فإنه لا يتعلق بما هو عالم به في الغيب إنما يتعلق بما يوجد ، ومعناه أي : لنعلم العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب ونظيره قوله تعالى : (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران ، ١٤٢] وقيل : ليعلم رسول الله صلىاللهعليهوسلم والمؤمنون ، وإنما أسند علمهم إلى ذاته تعالى ؛ لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده وقيل : معناه لتمييز التابع من الناكص كما قال الله تعالى : (لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [الأنفال ، ٣٧] فوضع العلم موضع التمييز التابع ؛ لأنّ بالعلم يقع التمييز ، فالعلم سبب والتمييز مسبب ، فأطلق السبب وهو العلم على المسبب وهو التمييز.
تنبيه : العلم في الآية إمّا بمعنى المعرفة ، فيتعدى إلى مفعول واحد وهو من يتبع ، وإمّا معلق لما في من معنى الاستفهام ، وإمّا أن يكون مفعوله الثاني ممن ينقلب أي : ليعلم من يتبع الرسول مميزا ممن ينقلب.
__________________
(١) أخرجه بنحوه الطبري في تفسيره ١٩٠٧.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
