شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨))
(سَيَقُولُ السُّفَهاءُ) أي : الجهال الذين خفت أحلامهم (مِنَ النَّاسِ) وهم اليهود ؛ لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ (ما وَلَّاهُمْ) أي : أيّ شيء صرف النبيّ والمؤمنين (عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) وهي بيت المقدس وقيل : هم المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء ، وقيل : المشركون قالوا : قد تردّد على محمد أمره واشتاق إلى مولده وقد توجه نحو بلدكم وهو راجع إلى دينكم والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب.
فإن قيل : ما فائدة الإخبار بذلك قبل وقوعه أجيب : بأن فائدة توطين النفس وإعداد الجواب ، فإنّ مفاجأة المكروه أشدّ والعلم به قبل وقوعه أبعد عن الاضطراب إذا وقع وقبل الرمي يراش السهم ، والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإنسان مأخوذة من الاستقبال ، وصارت عرفا للمكان المتوجه نحوه للصلاة قال الله تعالى (قُلْ) لهم يا محمد (لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي : الجهات كلها ملكا والخلق عبيده لا يختص به مكان دون مكان بخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه وإنما العبرة بامتثال أمره لا بخصوص المكان فيأمر بالتوجه إلى أيّ جهة شاء لا اعتراض عليه (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) هدايته (إِلى صِراطٍ) أي : طريق (مُسْتَقِيمٍ) وهو ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس وأخرى إلى الكعبة.
وقوله تعالى : (وَكَذلِكَ) الكاف فيه للتشبيه أي : كما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناكم (جَعَلْناكُمْ) يا أمة محمد (أُمَّةً وَسَطاً) أي : خيارا عدولا قال تعالى : (قالَ أَوْسَطُهُمْ) [القلم ، ٢٨] أي : خيرهم وأعدلهم ، وخير الأشياء أوسطها لا إفراطها ولا تفريطها ؛ لأنّ الإفراط المجاوزة لما لا ينبغي والتفريط التقصير عما ينبغي كالجود بين الإسراف والبخل والشجاعة بين التهور وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة وبين الجبن ؛ لأنّ الأفراد يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية محفوظة.
روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنه قال : «قام فينا رسول الله صلىاللهعليهوسلم يوما بعد العصر فما ترك شيئا إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان فقال : أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي أخيرها وأكرمها على الله عزوجل» (١) وقوله تعالى :
__________________
(١) أخرجه البغوي في شرح السنة ١٤ / ٢٤١ ، ومعمر بن راشد في جامعه ١ / ٣٤٧.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
